علاقة البر بالانفاق عند الشيخ مغنية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا)‎

فاضل حسن شريف

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن البر “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” ﴿آل عمران 92﴾ المال هو المحك،  المراد بالبر هنا إكرام اللَّه، وتفضله على عبده. وقد سبق تفسير العديد من الآيات التي حثت على الإنفاق، ولكن لهذه الآية ميزة على كل آية وردت في هذا الباب. لأنها لم تأمر بالإنفاق وكفى، كغيرها من الآيات، بل ربطت بين نيل الإنسان الدرجات العلى عند اللَّه سبحانه، وبين إقدامه على التضحية بما يحب، فالعبادة المجردة عن التضحية لا تقرّب من اللَّه بموجب دلالة هذه الآية، وكذا سائر الأعمال إلا ان ينطبق عليها نوع من الفداء والتضحية في سبيل اللَّه. وعلى هذا يكون قوله تعالى، “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” بيانا وتفسيرا لكل آية ورواية حثت على العمل من أجل مرضاة اللَّه، والقرب منه، بيانا وتفسيرا بأن القرب منه تعالى لا يحصل، ولن يحصل لأحد الا إذا بذل من نفسه وماله ما يحب.. وكأنّ الإمام علي عليه السلام أخذ من هذه الآية قوله، لا حاجة للَّه فيمن ليس للَّه في ماله ونفسه نصيب. ان البذل مما تشح به النفس، وتحرص عليه، بخاصة المال هو المحك المميز بين الإيمان الدخيل والأصيل.. فلقد كان المال، ولا زال معبود الملايين، وان كثيرا من الناس يخيل الشيطان إليهم انهم يعبدون اللَّه سبحانه، وهم في حقيقتهم وواقعهم يعبدون الدرهم والدينار، ولكنهم لا يشعرون. جاء في بعض الروايات ان إبليس كان قبل ضرب الدرهم والدينار في شغل شاغل، لإغواء الناس، وصرفهم عن عبادة الرحمن إلى عبادة الأوثان، ولا يجد فترة من راحة في ليل ولا نهار.. وبعد ان دارت الأيام، وضرب الدرهم والدينار تنفس إبليس الصعداء، وفرح فرحا لم يفرح مثله من قبل، وأقام حفلات الأنس والطرب، وكان يرقص، وهو يضع الدرهم على إحدى عينيه، والدينار على الثانية، ويقول، لقد أرحتماني.. ولست أبالي بعد اليوم أعبد كما الناس، أم عبدوا الأوثان.

ويستطرد الشيخ محمد جواد مغنية في تفسير الآية المباركة آل عمران 92 قائلا:وسواء أكانت هذه الرواية قضية في واقعة، أم كانت أسطورة من الأساطير فإنها تصوير صادق ورائع لعدم الفرق بين المال، وعبادة الأوثان، فكل منهما يصرف عن اللَّه والحق، بل ان عبادة المال أسوأ أثرا، وأكثر ضررا، لأن المال مادة الشهوات، ومصدر الفساد في كثير من الأحيان.. فالذين خانوا أوطانهم إنما خانوها من أجل المال، والذين حاربوا الأنبياء والمصلحين، وحرّفوا الدين، وشريعة سيد المرسلين إنما فعلوا ذلك بعد أن قبضوا الثمن.. ومهما شككت فإني لا أشك ان الملحدين وعبدة الأوثان الذين لم يخونوا بلادهم، ولم يتآمروا على الأبرار والمخلصين لهم خير ألف مرة من الصائم المصلي، والحاج المزكي الذي تآمر مع أعداء اللَّه على بيع البلاد، وأقوات العباد. اذن، فلا عجب إذا أناط سبحانه نيل الدرجات عنده بالبذل والتضحية بالمال، وبالعزيز الغالي، حيث يكشف هذا البذل عن إيثار الحق على الباطل، والآجل على العاجل. ولك أن تسأل، ان قوله تعالى، “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” ﴿آل عمران 92﴾ يدل بظاهره ان الجنة محرمة الا على من بذل الطيّب من ماله، مع العلم ان كثيرا من الناس، أو أكثر الناس لا يملكون شيئا. الجواب، ان الخطاب في الآية الكريمة يختص بالمالك القادر، أما العاجز الذي لا يملك شيئا فيجب أن يأخذ، لا أن يعطي، بل هو أحد موارد البذل والعطاء هذا، إلى ان الذين يجاهدون بأنفسهم أعظم درجة عند اللَّه من الذين يجاهدون بأموالهم، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود، كما قال الشاعر. وكما دلت الآية على ان القرب من اللَّه سبحانه منوط بالبذل والتضحية فقد دلت أيضا على ان المال يكون مصدرا للخيرات، ووسيلة لطاعة الرحمن، كما يكون مادة للشهوات، ومرضاة الشيطان، قال رسول اللَّه صلَّ الله عليه واله، (من طلب الدنيا مكاثرا مفاخرا لقي اللَّه، وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا، وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر). وقال الإمام عليه السلام، ما أعطي أحد من الدنيا شيئا إلا نقص حظه من الآخرة. فقال له بعض من حضر، واللَّه انّا لنطلب الدنيا. فقال له الإمام، تصنع بها ما ذا؟ قال، أعود بها على نفسي وعلى عيالي، وأتصدق منها، وأحج. قال الإمام، ليس هذا من طلب الدنيا، هذا من طلب الآخرة.