جديد

كيف يعيد العراق نبضه؟

رياض الفرطوسي

الوطن ليس مجرد خريطة على ورق أو علَمٍ يرفرف في سماءٍ مثقوبة بالرصاص، بل هو الأمان حين تعود إلى بيتك، والطمأنينة حين تسير في شارع مضاءٍ بسلام، وهو الكلمة التي تكتبها بيدك دون خوف، والحلم الذي تحمله في صباحك وتستعيده في مساءك. لكن في العراق، كان الوطن مرادفاً للخذلان، إذ عاش شعبه سلسلة متصلة من المآسي قلّما عرفها بلد آخر في العصر الحديث.

بدأت القصة مع مرحلة الدكتاتورية التي رسخت في الوعي الجمعي صورة قاتمة عن الوطن. ففي زمن صدام حسين، لم يكن العراقي يرى في وطنه بيتاً آمناً، بل سجناً كبيراً يبتلعه أينما توجه. كانت المقابر الجماعية شاهداً على حجم الرعب، وكانت الحروب الطويلة وقوداً لا ينطفئ. خلال الحرب العراقية الإيرانية وحدها فُقد أكثر من مليون إنسان بين قتيل ومفقود، وكانت النتيجة أجيالاً كاملة يتيمة، عائلات ممزقة، وأرامل يتناثرن في كل مدينة وقرية. هذه الخسارات لم تكن أرقاماً فحسب، بل كانت شقوقاً في جدار الانتماء نفسه، إذ غابت العدالة، وانهارت الثقة بين المواطن والدولة.

ولم يقتصر الأمر على القتل والحروب، بل امتد ليشمل محاولة شراء الولاء. منح النظام أراضي وسيارات لبعض المتضررين وكأنه يعوضهم عن أحبة فقدوهم. لكن كيف يمكن لقطعة أرض أو سيارة أن تملأ فراغ أب أو ابن أو أخ؟ وحين جاء الحصار، لم تنفع لا أرض ولا سيارات، إذ بيعت كلها بثمن بخس من أجل رغيف خبز أو دواء. عندها لم يبقَ للناس سوى الشرف، ومع القسوة المفرطة للحصار، حتى هذا الشرف اضطر البعض للتنازل عنه. أي مواطنة يمكن أن تُولد في مثل هذه الظروف؟

ثم جاء الاحتلال الأمريكي ليضيف طبقة جديدة من الخراب. تحطم ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتفتت المجتمع بين طوائف ومذاهب، وغابت الهوية الجامعة. بعده جاءت سنوات الإرهاب وداعش، لتكمل المشهد المأساوي، حيث تحولت مدن إلى ركام، ونزحت آلاف العوائل، وعاش العراقي مجدداً على وقع الخوف من الموت والتهجير والسبي.

إذا أردنا أن نقارن، يكفي أن ننظر إلى أكراد العراق مقابل أكراد سوريا وإيران. لم يعرف أكراد تلك البلدان ما عرفه أكراد العراق من قصفٍ كيماوي ومقابر جماعية ومجازر متتالية، لذلك ظلّت علاقتهم بأوطانهم مختلفة، وظلّ شعورهم بالانتماء قائماً رغم الخلافات السياسية. أما في العراق، فقد تكسرت روح المواطنة إلى حد أن الكراهية أصبحت رد فعل طبيعي تجاه وطنٍ لم يقدم إلا الألم.

العراقي اليوم يقف مثقلاً بذاكرة مثخنة: حروب، حصارات، مقابر، احتلال، إرهاب. يرى العالم يتغير من حوله عبر شاشة الإنترنت، بينما هو عالق في مكانه، يفتش عن كهرباء لا تنقطع، عن ماء لا يتلوث، عن وظيفة لا تُباع بولاء حزبي، عن شارع يعبره دون خوف من انفجار. في بلد كهذا، كيف يمكن أن يُسأل عن انتمائه؟ وكيف يُطلب منه حب وطنٍ لم يمنحه إلا الخسارات؟

لكن رغم كل شيء، يبقى السؤال قائماً: كيف يعيد العراق نبضه؟ الجواب ليس في الخطابات ولا في الشعارات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تُعيد للإنسان كرامته: مدرسة تحترم طفولته، مستشفى يعالج مرضه، قضاء عادل، شارع آمن، وخدمات أساسية لا تميّز بين مواطن وآخر. الوطن يُستعاد حين يشعر العراقي أن القانون يحميه لا يطارده، وأن السلطة في خدمته لا فوقه.

لقد قيل إن الظروف الناقصة لا تنتج بشراً مثاليين، وهذا صحيح. لكن البشر المثخنين بالجراح قادرون أن يعيدوا صياغة حياتهم إذا وُجدت دولة عادلة، إذا وُجد نظام يحترم الإنسان، إذا وُجدت إرادة سياسية تعيد بناء الثقة. العراق يعيد نبضه حين يتحول الوطن من لعنة إلى حضن، من عبء إلى بيت، من ذاكرة ألم إلى مستقبل يستحق أن يُعاش.