صباح البغدادي
على الرغم من أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على الكلداني في العام 2019 بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، وعلاقته الوطيدة بالفصائل الولائية المسلحة وعلى راسها عصائب أهل الحق والصفقات التي أبرمها الكلداني والتي عززت مكانته لدى معظم الكتل السياسية الشيعية الرئيسية التي تدير العراق وتدعمها إيران.ولما انه قدم دعمه لمجموعة من القوى السياسية الموالية لإيران في للحصول على تعيينات خاصة بهم”، مما ترك انطباع من الاستهجان والغضب للعديد من القيادات الدينية والروحية المسيحية والشخصيات المجتمع من صعوده السريع الكلداني، وعلى الرغم من انه لديه أوراق اعتماد ضعيفة جداً للمطالبة بزعامة المجتمع المسيحي في العراق أو السيطرة على ممتلكاتهم”.
في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة، يأتي تعيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمارك نعيم سافايا، رجل أعمال أمريكي من أصل كلداني عراقي، كمبعوث شخصي خاص إلى العراق في 19 أكتوبر 2025، كخطوة استراتيجية غير تقليدية. هذا التعيين، الذي أعلنه ترامب عبر منصة “تروث سوشيال”، ليس مجرد إعادة ترتيب دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى تحول في السياسة الأمريكية تجاه بغداد. يُنظر إلى سافايا، الذي ساعد في تعزيز الدعم الانتخابي بين المجتمعات العربية والمسلمة في ميشيغان خلال حملة ترامب 2024، كرمز للجسر بين الولايات المتحدة والمجتمعات العراقية المهاجرة. ومع ذلك، تكمن “الحقيقة الغائبة” في صلاحياته الواسعة: وفقاً لتقارير إعلامية وتصريحات مسؤولين كرد وعراقيين، كُلف سافايا وفريقه من المستشارين المتخصصين بمهمة استباقية تهدف إلى نزع سلاح الميلشييات الإيرانية التابعة لإيران قبل نهاية 2025، مع التركيز على منع وصول هذه الفصائل إلى مقاعد البرلمان أو مناصب الحكومة في الانتخابات المقررة في نوفمبر 2025. هذه الخطة، التي وضعتها واشنطن قيد التنفيذ، تكشف عن مخاوف أمريكية عميقة من تحول العراق إلى ذراع إيراني كامل، وتستند إلى تحالفات داخلية هشة مع فصائل معارضة للنفوذ الإيراني.
السياق التاريخي والاستراتيجي: ميلشييات إيران كتهديد وجودي للديمقراطية العراقية تشكل الميلشييات الإيرانية الداعمة، مثل كتائب حزب الله ومنظمة بدر، عمادة التنفيذ الإيراني في العراق منذ تشكيل قوات الحشد الشعبي (PMF) في 2014 كاستجابة لتهديد داعش. هذه الفصائل، التي تضم أكثر من 200 ألف مقاتل، ليست مجرد قوات شبه عسكرية؛ إنها شبكات اقتصادية وسياسية متشابكة تسيطر على موارد نفطية، أراضٍ زراعية، ومناصب حكومية. في الانتخابات السابقة، نجحت تحالفاتها السياسية، مثل “الإطار التنسيقي الشيعي”، في السيطرة على البرلمان، مما أدى إلى حكومات تُتهم بتعزيز النفوذ الإيراني على حساب السيادة العراقية. اليوم، مع اقتراب الانتخابات، يخشى التحليليون أن تؤدي هذه الميلشييات إلى “استيلاء سياسي كامل”، حيث تسيطر على التشريعات والتنفيذ، مما يهدد بتحويل العراق إلى دولة فاشلة تابعة لطهران.
تعيين سافايا يأتي في توقيت حساس، بعد إطلاق سراح الأكاديمية الإسرائيلية-الروسية إليزابيث تسوركوف في سبتمبر 2025، بعد 903 يوم أسيرة لدى كتائب حزب الله، حيث لعب سافايا دوراً حاسماً في التفاوض دون تنازلات. هذا النجاح يمنحه مصداقية داخل المجتمعات المسيحية الكلدانية-السريانية-الآشورية، التي تعرضت للتهجير والاضطهاد من قبل هذه الميلشييات. كما أشاد السياسي الكردي هوشيار زيباري بالتعيين كـ”قرار جريء لاستعادة السيادة العراقية بعيداً عن الفساد والحكم الميليشياوي”، مشدداً على أن خلفية سافايا الكلدانية تجعله قادراً على فهم الديناميكيات الطائفية في سهل نينوى.
الحقيقة الغائبة: الطلب السري من الفصائل الإيرانية لرئيس الوزراء السوداني والتدخل الإيراني تكمن جوهر “الحقيقة الغائبة” في التحركات السرية داخل الحشد الشعبي، حيث طلب قادة فصائل ولائية إيرانية، بما في ذلك قيادات في الحشد، من ريان الكلداني، الأمين العام لحركة بابليون وقائد كتائب بابليون، التدخل لإيجاد “أرضية تفاهم مشتركة” مع المبعوث سافايا. أسس ريان كتائب بابليون في 2014 في محافظة نينوى، خاصة سهل نينوى، كقوة شبه مسيحية للدفاع عن المنطقة ضد داعش، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة إيرانية. رغم ادعاءاتها التمثيل المسيحي، فإن معظم مقاتليها شيعة عرب أو شبك، وهي متهمة بانتهاكات جسيمة: مصادرة أراضٍ زراعية، خطف أعضاء وحدات حماية سهل نينوى (NPU)، وإشعال حريق حفل زفاف في بَخْدِيدَا. في 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ريان بتهمة الابتزاز والاستيلاء غير القانوني على الأراضي، وأكدت الكنيسة الكلدانية رفضها له كممثل عن المسيحيين، معتبرة إياه بعيداً عن المسيحية.هذا الطلب من ريان ليس عفوياً؛ إنه يعكس مخاوف الفصائل الإيرانية من الاستهداف المباشر قبل الانتخابات. يأمل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي يسعى لولاية ثانية، في استغلال هذه التفاهمات لتعزيز موقفه داخل الإطار التنسيقي. السوداني، الذي تولى المنصب في 2022 بدعم من تحالفات شيعية مدعومة إيرانياً، حقق استقراراً نسبياً من خلال برنامج حكومي يركز على مكافحة الفساد وإعادة الإعمار، لكنه متهم بالتوازن الزائف بين واشنطن وطهران. استطلاعات الرأي تشير إلى ثقة 55% من العراقيين في حكومته، لكن منافسيه مثل نوري المالكي يهددون بتقويض أمله في التمديد. دخول السفارة الإيرانية في بغداد على الخط يؤكد القلق الإيراني: تريد طهران معرفة توجهات سافايا تجاه الحكومة القادمة، خاصة مع ضغوط أمريكية لإنهاء إعفاءات الطاقة الإيرانية ودمج الميلشييات في الجيش الرسمي.في سهل نينوى، حيث تتركز المدن ذات الأغلبية المسيحية مثل قَرَقُوش وبَخْدِيدَا، يُتهم ريان بالعمل نيابة عن إيران، مما أدى إلى نزوح مسؤولين ورؤساء بلديات مسيحيين. احتجاجات 2023 ضد كتائب بابليون أدت إلى خطف سبعة أعضاء من NPU، وأغلقت مكاتب الحركة مؤقتاً، لكن الضغط الإيراني أعاد إحياءها. هذا الواقع يجعل التفاهم المطلوب من ريان خطيراً: إنه ليس حلاً، بل محاولة لشراء الوقت قبل الاستهداف الأمريكي.
والمخاطر التي سوف تحيط بالخطة الأمريكية وفرص النجاح استراتيجياً، تعتمد خطة سافايا على ثلاثة محاور: الدبلوماسية السريعة مع الفصائل المعارضة لإيران (مثل الأكراد والمسيحيين)، الضغط الاقتصادي عبر عقوبات على قادة الميليشيات، والتدخل الانتخابي لدعم مرشحين قوميين يرفضون النفوذ الإيراني. الصلاحيات الواسعة الممنوحة له تسمح بتشكيل لجان استشارية مشتركة مع الحكومة العراقية لمراقبة تمويل الحملات الانتخابية، مما يمنع تدفق الأموال الإيرانية. ومع ذلك، تواجه الخطة مخاطر: قد تثير ردود فعل عنيفة من الميليشيات، كما حدث في هجمات 2019-2020 على السفارات الأمريكية، أو تؤدي إلى انقسام داخل الإطار التنسيقي، مما يعزز من دور السوداني كوسيط هش.استباقياً، إذا نجحت الخطة، ستعيد تشكيل التوازن الإقليمي: تقليل نفوذ إيران في العراق يضعف “محور المقاومة”، ويعزز الشراكة الأمريكية-العراقية في مكافحة داعش. لكن الفشل قد يؤدي إلى حرب أهلية طائفية، خاصة في سهل نينوى، حيث يُرى سافايا كمنقذ محتمل للمجتمع المسيحي. يجب على واشنطن تعزيز الدعم للكنيسة الكلدانية كبدائل أمنية محلية، مع ضمان حيادية الانتخابات عبر مراقبين دوليين.
وفي الختام قد يقود هذا الحراك في وجهين مختلفين ومتناقضين فأما بطون منطلق نحو عراق سيادي أم نحو فوضى طائفية؟تعيين سافايا يكشف عن “الحقيقة الغائبة” في الصراع العراقي: المعركة ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية، حيث تسعى إيران للاستيلاء على الدولة من خلال ميلشيياتها، بينما تسعى أمريكا لاستعادة السيادة. الطلب السري من ريان الكلداني يعكس الذعر الإيراني، لكنه أيضاً يبرز هشاشة التحالفات داخل الحشد. مع أمل السوداني في الولاية الثانية، يصبح الانتخابات المعركة الحاسمة. إذا نجحت خطة واشنطن، قد يشهد العراق حكومة قومية متوازنة؛ وإلا، ستغرق في فوضى تجعل سهل نينوى رمزاً للخسارة المسيحية. الوقت يداهن: هل سيكون سافايا الجسر إلى الاستقلال، أم الشرارة للصراع الجديد؟