صباح البغدادي
في لقائه والحوار الإعلامي مع صحيفة “كلدان برس” قال المبعوث الأمريكي الجديد “مارك سافايا “بإنه يريد أن يجعل العراق عظيماً مرة أخرى” وهذه العبارة بدورها هي استنساخ طبق الأصل للشعار الانتخابي الذي أطلقه الرئيس ترامب ” لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً ” خلال حملته الانتخابية، والمعروف اختصاراً بـ”ماغا” وفي تحليل لهذه المقولة او العبارة وما يمر به العراق حاليا من وضع سياسي واقتصادي واجتماعي متأزم ونحن فقط على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية وصراع القوى والأحزاب للظفر بأكبر عدد ممكن من المقاعد النيابية ، هذه المقولة تبقى ترجمتها غامضة أذا لم يكن معها وعلى أرض الواقع خطوات جادة وملموسة وأن تترجم بنقلٌ رؤية سياسية وإستراتيجية بعيدة المدى . ولكن للمتابع للسياق السياسي العام وقد يتبادر في اذهان البعض طرح عدة اسئلة على مفردات وعبارات مبهمة غير واضحة ؟ فما الذي تعنيه “العظمة” في قاموس تصريح المندوب السامي الأمريكي ؟ أهي عودة إلى عصر ما قبل الغزو ؟ أم هي عراق خالٍ من سلاح الميليشيات ؟ أم هي محاولة لطيّ صفحة سنوات من الفوضى التي أسهمت السياسات الأمريكية نفسها في صنع جزء كبير منها ؟ المتابع اليوم أمام مهمة قد تبدو عليه عسيرة للوهلة الاولى لتفكيك هذه المقولة والتي تختزل تعقيدات المشهد العراقي في شعار مبهرج ، وحتى قد يخفي تحته أجندات أكبر وأعمق وأخطر مما يتصوره البعض او يحاول الوصول اليه , فهل هي ستكون ترجمة على أرض الواقع السياسي وعودة بتحرير العراق من نفوذ إيراني خانق ما يزال جاثم على صدر العراق ، أم هي إحياء لدور “المندوب السامي” الذي يفرض رؤيته واجبة التنفيذ من خارج الإرادة الوطنية ؟ ام انها ترجمة مستقبلية لتتحول هذه الكلمات من مجرد شعار إلى إطار لصراع إقليمي دائري وتكون ساحة الصراع مكشوفة من حيث يصبح العراق ساحةً للتنافس وميدانًا لاختبار نفوذ القوى والاهم هو كيفية تفاعل هذه الخطابات وتقبلها من قبل البيئة الاجتماعية والدينية والسياسية العراقية المعقدة . لانها في نفس الوقت تطرح إشكالية أساسية : هل يمكن أن تكون “العظمة” مشروعًا مُستوردًا كما كانت وعود الديمقراطية والتحرر لعراق قوي ومستقر ومزدهر التي تم استيرادها على ظهر الدبابات ، أم أنها يجب أن تنبثق من رحم الإرادة الوطنية والسيادة التامة غير المنقوصة ؟ ولكن يبدو أن هذه المقولة لن تكون سوى بداية الفصل الأول من المواجهة المرتقبة المعقدة ، حيث من المتوقع في المستقبل القريب ان يحدث وتتصادم مع حائط صلب من “التقية السياسية” التي برع فيها قادة الأحزاب والفصائل الموالية لإيران على مدى عقدين من الزمن في التكيف مع الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق بعد عام 2003 وصقلت هذه القوى السياسية سواء أكانت شيعية أو سنية أو كردية ، عبر سنوات من التقلبات والضغوط الدولية، إستراتيجيات مرنة للبقاء على قيد الحياة ، تقوم على أساس ومناهج كاستراتيجية حول التكيف المؤقت مع المتغيرات التي طرأت على العراق وما تزال آثارها باقية لغاية يومنا هذا ، وامتصاص صدمة الضغوط والمبادرات الدولية، واللجوء إلى أسلوب المناورة والمماطلة لحين مرور “العاصفة” ولان الهدف الأساسي لهذه القوى السياسية لا يكون من خلال المواجهة المباشرة دائمًا، بل التركيز على تقليل المخاطر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفوذ والامتيازات . ويتمحور الرهان الحقيقي لهذه القوى حول كيفية معالجتهم وإخضاع الشارع العراقي من خلال الانتخابات البرلمانية القادمة، الذي يُنظرون إليها كمعبر آمن لاجتياز تسونامي عاصفة الأزمة الراهنة . فهم يعملون على ضمان خروج مجلس نيابي وحكومة جديدين يكونان قادرين – أو على الأقل وهذا ما يسعون اليه قابلين – لاستيعاب الضغوط الخارجية ، والتصدي لأي محاولة أمريكية جادة لتهميش القادة الحزبيين الذين جثما على صدر الحكومة والشعب طوال العقدين الماضيين وإخراجهم من المعادلة السياسية واستبدالهم بوجوه لقادة جدد يكونون متماشيا وفق رؤية المشروع الأمريكي لشرق أوسط جديد . وبهذه الآلية، تحاول الفصائل “الولائية” تحويل العملية الانتخابية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة ، حيث يصبح استبدال تلك الوجوه القديمة بقيادات “جديدة” ترتقي لمستوى الطموح الأمريكي هو التحدي الأكبر لواشنطن حاليا . فالعبرة ليست في تغيير الأفراد فقط، بل في اقتلاع بنى تحتية سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية ودينية متجذرة، قد تتمكن من إعادة إنتاج نفسها حتى تحت مسميات حزبية وأسماء وقوائم جديدة. وبذلك، تتحول الانتخابات البرلمانية من أداة للتغيير الحقيقي إلى ساحة جديدة للصراع على الهوية الطائفية والقومية والمذهبية.ولكن يجب ان لا نغفل أبدا ونشير كذلك إلى أن هناك الرماد المواجهة والذي ما يزال ساخنا وفي إطار الحرب الظلال التي تشنها طهران على النفوذ الأمريكي في العراق ، لا تقتصر إستراتيجية القادة الإيرانيين ومكاتب “الحرس الثوري الإيراني” على المواجهة المعلنة فحسب، بل تمتد إلى شن حملة مراقبة منهجية وشاملة سوف تستهدف المبعوث الأمريكي دون شك او تأويل وحسب متابعتنا لهذا الاسلوب من قبل هؤلاء عن كثب طوال العقدين الماضيين ، ودون شك ونحن قد نكون وبصورة غير مبالغة بها في اننا على ثقة بان السيد “مارك سافايا” حيث سيُوضَع تحت “المِجْهَر” الاستخباراتي، ليس فقط لرصد تحركاته الجغرافية، بل لرسم خريطة تحالفاتها الدقيقة . فمن خلال شبكتها النافذة في مفاصل الدولة العراقية وميليشياتها الموازية، ستعمل الأجهزة الإيرانية على توثيق كافة تحركاته ولقاءاته – بمن فيهم القادة الشيعة الذين يُفترض ولاؤهم، والزعامات السنية التي تسعى واشنطن لاستعادتها، والوجهاء المسيحيين في سهل نينوى الذين يمثلون عمقاً اجتماعياً مهماً. الهدف من هذه العملية يتجاوز مجرد “المعرفة المسبقة” ولكن إلى بناء قاعدة بيانات ديناميكية تتيح للإيرانيين أنفسهم محاولة حثيثة ومحمومة لفهم عمق وتأثير الشبكة العلاقاتية الأمريكية الجديدة : تحديد من هم الشركاء المحليون الجدد لواشنطن ، ومن هم الحلفاء القابلون للتفاوض ، ومن هم الخصوم المطلقين . و كذلك العمل على استشراف نمط التعامل المستقبلي ومن خلال تحليل طبيعة اللقاءات وترددها وسياقاتها ، وتسعى طهران لتوقع المسارات الدبلوماسية والسياسية التي سيسلكها المبعوث، وبالتالي الاستعداد المبكر لمواجهتها أو تعطيلها . واستنباط نقاط الضغط والمساومة ومن خلال تسجيل اللقاءات – وبشكل خاص السرية منها – لانها سوف توفر لهم مادة ثمينة للابتزاز السياسي أو للضغط على الشخصيات التي التقت به ، ومما يسمح لإيران بالتالي بشل فاعلية الخصوم المحتملين أو تحييدها . هذه العملية ليست رد فعل آنياً ، بل هي ستكون حتما ودون شك بنظرنا اشبه باستثمار طويل الأمد في إدارة الأزمة . فالصورة المتكاملة التي تسعى إيران لتشكيلها ستُترجم إلى خرائط تحذيرية استباقية وحتى هجومية ، تمكنها من تقويض أي تقدم أمريكي في العراق، ليس عبر المواجهة العسكرية المكلفة دائماً، بل عبر الهندسة الدقيقة للمشهد السياسي الداخلي من خلف الستار والابواب المغلقة ، مما يجعل مهمة المبعوث الأمريكي أشبه بالمشي في حقل ألغام خفي دون أن يعلم به ، كل خطوة فيه ستكون مرصودة ومحسوبة وتحت مجهر التحليل . وعليه سوف يعمل كذلك المندوب السامي على معضلة موجودة ومحسوسة على أرض الواقع وعلى الرغم من أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على ريان الكلداني في العام 2019 بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، وعلاقته الوطيدة بالفصائل الولائية المسلحة وعلى رأسها عصائب أهل الحق والصفقات التي أبرمها الكلداني والتي عززت مكانته لدى معظم الكتل السياسية الشيعية الرئيسية التي تدير العراق وتدعمها إيران. وانه قدم دعمه لمجموعة من القوى السياسية الموالية لإيران في للحصول على تعيينات خاصة بهم”، مما ترك انطباع من الاستهجان والغضب للعديد من القيادات الدينية والروحية المسيحية والشخصيات المجتمع من صعوده السريع الكلداني، وعلى الرغم من أنه لديه أوراق اعتماد ضعيفة جداً للمطالبة بزعامة المجتمع المسيحي في العراق أو السيطرة على ممتلكاتهم وتعيين سافايا يأتي في توقيت حساس، بعد إطلاق سراح الأكاديمية الإسرائيلية-الروسية “إليزابيث تسوركوف” في سبتمبر 2025، بعد 903 يوم أسيرة لدى كتائب حزب الله، حيث لعب سافايا دوراً حاسماً في التفاوض دون تنازلات. هذا النجاح يمنحه مصداقية أكثر داخل المجتمعات المسيحية الكلدانية-السريانية-الآشورية، التي تعرضت للتهجير والاضطهاد من قبل هذه الميليشيات وسرقة أراضيهم ومنازلهم وبالاخص المهجرين منهم فانه سوف يخلق معه حالة من التوازن وارجع للقادة السياسيين و الروحيين والدينيين المسيحيين الى وضعهم الطبيعي الذي كانوا عليه قبل سيطرة المليشيات الولائية المسلحة على قرارهم السياسي والاقتصادي من خلال اتباعهم المسيحيين مما يخلق معه الى تهميش مثل هؤلاء وعزلهم عن الساحة السياسية المسيحية ولكن يبقى التخوف الحقيقي من الفشل والذي قد يؤدي بالنتيجة إلى حرب أهلية طائفية، خاصة في سهل نينوى، حيث يُرى حاليآ المجتمع المسيحي المندوب السامي سافايا كمنقذ ومخلص طال انتظاره . ولذا يجب على واشنطن ان تسارع بجهد وكفاءة وعزم على تعزيز الدعم للكنيسة الكلدانية وللقوى المسيحية كبدائل أمنية محلية، وقد يقود هذا الحراك في وجهين مختلفين ومتناقضين فأما بطون منطلق نحو عراق سيادي أم نحو فوضى طائفية؟تعيين سافايا يكشف عن “الحقيقة الغائبة” في الصراع العراقي: المعركة ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية، حيث تسعى إيران للاستيلاء على الدولة من خلال ميلشيياتها، بينما تسعى أمريكا لاستعادة السيادة. الطلب السري من ريان الكلداني يعكس الذعر الإيراني، لكنه أيضاً يبرز هشاشة التحالفات داخل الحشد. مع أمل السوداني في الولاية الثانية، يصبح الانتخابات المعركة الحاسمة. إذا نجحت خطة واشنطن، قد يشهد العراق حكومة قومية متوازنة؛ وإلا، ستغرق في فوضى تجعل سهل نينوى رمزاً للخسارة المسيحية. الوقت يداهم : هل سيكون سافايا الجسر إلى الاستقلال، أم الشرارة للصراع الجديد؟ ويبقى لنا في الختام مقولة نرها قد تكون على بعد أسابيع أو أشهر من أن أبواب محافظة النجف ودربونة المرجع الشيعي الاعلى سوف تبقى مفتوحة ومنتظرة ان يطلب فيها المبعوث الأمريكي للقاء سماحة السيد “السيستاني” لغرض عرض وجهة نظره بما يخدم مهمته وتسهيلها والتداول في شؤون كيفية تطبيق مقولته وجعلها محسوسة وعلى أرض الواقع لان المرجعية سوف تكون مستمعة ومنفتحة على جميع الآراء وايجاد الحلول بما يخدم فيه صالح المجتمع العراقي ومن دون تهميش أي فئة وهذا ما سوف نراه يحدث قريبآ .