بين مدرعة الإمام علي وبذخ الساسة… مرآة الزهد الغائبة في عراق الانتخابات

رسول حسين أبو السبح

ما أحوجنا، في هذا المنعطف الانتخابي، إلى استحضار مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا كشعار يُرفع، بل كمنهجٍ يُتّبع. مدرسة ترى في الحكم مسؤوليةً أمام الله والناس، لا غنيمةً تُقسّم. مدرسةٌ تقول إن من أراد السلطة ليخدم الناس فهو خليفة الله، ومن أرادها ليخدم نفسه فهو طاغية وإن لبس أثواب الدين.

حين قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام «لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها»، لم يكن يستعرض فقراً، بل كان يجسد فلسفةً في الحكم تقوم على الزهد والعدالة والتعفف عن المال العام. كان عليه السلام يرى أن الحاكم لا ينبغي أن يمتاز عن رعيته إلا بزيادة مسؤوليته وعدله، لا بترفٍ ولا بسلطةٍ ولا بجاهٍ.

أما اليوم، ونحن على أعتاب الانتخابات النيابية العراقية المقبلة، نقف أمام مشهد سياسي مغاير تماماً، يكاد يُلغي من الذاكرة صورة ذلك الحاكم الذي لبس المرقع، وأكل الجشب، وسهر الليالي على حقوق الناس. فبدلاً من الزهد، نرى الترف؛ وبدلاً من الرقعة التي استحيا منها الإمام، نرى موائد انتخابية تُنفق عليها أموال طائلة، وكأن الكرسي غاية لا وسيلة.

لقد أصبحت السياسة في العراق اليوم سوقاً للمصالح لا ساحةً للمبادئ، تُباع فيها الوعود وتُشترى الأصوات، ويُستغل فيها فقر الناس وعوزهم. يتنكر الكثير من المرشحين لروح الزهد العلوي، تلك التي جعلت الإمام علي يردّ مالاً من بيت المال حين علم أنه ليس له فيه حق، قائلاً: «لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف والمال مالهم؟».

أين ساسة اليوم من هذا المبدأ؟، بيت المال عند الإمام كان أمانة، وعندهم صار غنيمة. كان يوزعه بالسوية، لا يفضّل فيه قريبا ولا حليفا، بينما يوزعه بعضهم اليوم بالمحاصصة والولاء والانتماء الحزبي.

لقد تحوّل المنصب في العراق إلى مطمع شخصي، لا مسؤولية وطنية، حتى باتت بعض الحملات الانتخابية تُدار بمال الفساد، وتُزيَّن بشعارات عن العدالة والتنمية، بينما الواقع يزداد قبحاً وفاقةً وانقساماً.

إن العراقيين، الذين أنهكتهم الحروب والبطالة وسوء الخدمات، يتطلعون إلى نموذج قيادي يذكّرهم بعدل علي وزهده، لا إلى وجوهٍ تتكرر في كل دورةٍ انتخابية لتعيد ذات الوعود التي لم تتحقق منذ عشرين عاماً.

لقد قال الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة، «والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت». فأي ساسة اليوم يقفون هذا الموقف أمام مغريات المال والمنصب؟

إن الحديث عن الزهد في زمن الرفاه السياسي أصبح تهمة، وعن النزاهة في زمن الصفقات صار سذاجة، وعن الصدق في زمن الدعاية الانتخابية يبدو حلماً بعيداً. ومع ذلك، تبقى كلمات الإمام علي نبراساً يهدي كل من يريد أن يحكم بالحق، لا بالهوى.

إن الشعب العراقي اليوم مدعو لأن يميّز بين من يشبه علياً في زهده، ومن يشبه أعداءه في جشعهم. فالاقتراع ليس مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل موقفٌ أخلاقيٌ يحدد شكل الوطن القادم.

قد لا نجد اليوم علياً آخر، ولكن يمكن أن نجد من يتخذ علياً قدوة، فيسير على نهجه، ويخاف الله في أموال الناس وحقوقهم. حينها فقط يمكن للعراق أن ينهض من رماده، وتعود لبيت المال حرمته، وللكرسي هيبته، وللسياسة معناها الشريف.

أما إن استمر الحال على ما هو عليه، فسنظل نرقع نحن فقرنا، بينما يتفاخر بعض السياسيين ببذخهم، غير مستحيين من وطنٍ مُمزق، ولا من شعبٍ جائع، ولا من إمامٍ رقع مدرعته وهو خليفة المسلمين.

اخيراً، ليت الذين يطلبون الكراسي اليوم يتأملون حكم الإمام علي، ليتهم يفهمون أن أعظم ما يمكن أن يُقدَّم للوطن ليس وعوداً انتخابية، بل قدوةً أخلاقية، وأن الفقر الذي استحيا منه علي في ثوبه، هو الفقر نفسه الذي ينبغي أن يستحي منه كل مسؤولٍ حين يراه على وجوه أبناء بلده.