محمد وهاب عبود
ما يُسمى دعائيا بالعرس “الانتخابي“ قد انتهى، وذلك بعد أن طُبلت الطبول ورُفعت الرايات. فشوارعنا الغارقة أصلاً بهمومها، تغرق اليوم بفيضان من الصور والوعود يغطي جدران المدينة ويحجب الأفق، ويحصر المسار البصري للمواطن في وجهة واحدة، كأنما الرؤية قُدّت على مقاس لافتة انتخابية.
هل هذا الضجيج الهستيري الذي نسميه “انتخابات 2025” هو حقاً احتفاء بالديمقراطية، أم هو كرنفال صاخب يُنصب فوق أنقاض المعنى الحقيقي للمواطنة؟
لقد استطاع الإعلام أن ينفخ في بالون هائل، “فقاعة انتصار” وهمية، وزُجّ الناس داخلها ليلهوا بتناقضاتهم. تحولت المنابر إلى حلبات للمصارعة الكلامية، وسُحبت أغطية النعرات الطائفية والقبلية من مخابئها، ليعلو صوتها فوق صوت العقل، ويسجل حضوراً فاقعاً يُذكّرنا بأننا لم نغادر مربعنا الأول بعد.
المأساة أننا نتعامل مع الديمقراطية كأنها وليمة تُقام كل أربع سنوات، نأكل فيها من فتات الوعود، ثم نعود إلى جوعنا المزمن. نسينا، أو تناسينا، أن الانتخابات ليست غاية، بل هي مجرد ركيزة واحدة في صرح معقد.
ما قيمة أن نمتلك “ركيزة” الانتخابات، إذا كانت بقية الركائز منهارة؟
إن المدينة المتحضرة لا تُعرف بانتخاباتها فحسب، وانما بخدماتهاوبصحتها، وبتعليمها وبنظافتها وبكرامة إنسانها. ونحن نخطئ حين نعبد الطقس وننسى الإله؛ نقدّس الصندوق وننسى العدالة. إن الشرعية الحقيقية لا تكتسب من صناديق يعلوها الهذيان وتتحكم بها سطوة المال السياسي، بل تنبع من نظام يقدر مواطنيه، يعاملهم بعدالة، ويوزع عليهم ثروات الوطن بالمساواة، لا كغنائم تُمنح للأتباع والمناصرين.
هنا نصل إلى الجرح الأعمق. فنحن ندفع بمرارة ثمن نظام ريعي أبوي، يشتري الولاءات بالمال العام، ويُنفق على الخواص والمحاسيب ، بينما يُنحّي الكفاءات ويُقصي الآخرين. هذا النظام لا يُنتج مواطنين بل يُنتج زبائن.
وهذا يقودنا بالضرورة إلى ضرورة إعادة النظر، هدم وإعادة بناءالنظام التربوي والتعليمي. هذا النظام الذي يثبت، لحظة بعد لحظة، عجزه عن خلق إنسان عراقي ناضج سياسياً، قادر على الفرز بين الغث والسمين، ومُحصّن ضد فيروسات الطائفية وهيمنة القبيلة.
إن هذه “الديمقراطية الطقوسية” التي نمارسها ليست سوى تكريس للمأساة وتزييف فادح للواقع. إنها تخدير مؤقت لآلام مزمنة.
حين ينجلي غبار المهرجان، وتُزال اللافتات الصدئة، سنكتشف أننا لم نبرح مكاننا، وأن التحديات الحقيقية، الفقر، والخدمات، والعدالة، والسيادة، ما زالت تحدق فينا، بينما كنا نحن مشغولين بالرقص في مهرجان الهذيان.
والعاقبة، إن لم نصحُ، لا تُحمد أبداً.