د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن الهمزة “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ” (الهمزة 1) همزة اسم، الهُمزة: العياب، الطعان، أو المشّاء بالنميمة، المفرق بين الجماعة و الأحبة. من الهَمز و هو العيب. هُمَزةٍ لُـمَزةٍ: طَعّـان غَـيّـاب عَـيّـاب للناس. و قالوا الهمزة الذي يعيبك في غيابك. و اللمزة: الذي يعيبك في وجهك. و الهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس و يَغُضُّهم. شر وهلاك لكل مغتاب للناس، طعان فيهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن الهمزة “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ” (الهمزة 1) “ويل” كلمة عذاب أو وادٍ في جهنم “لكل هُمزة لُمزة” أي كثير الهمز واللمز، أي الغيبة نزلت فيمن كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كأُمية بن خلف والوليد بن المغيرة وغيرهما.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن الهمزة “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ” (الهمزة 1) الويل للهمّازين واللمّازين: تبدأ هذه السّورة بتهديد قارع وتقول: “ويل لكلّ همزة لمزة”لكلّ من يستهزيء بالآخرين، ويعيبهم، ويغتابهم، ويطعن بهم، بلسانه وحركاته وبيده، وعينه وحاجبه. (الهمزة) و(اللمزة) صيغتا مبالغة، الاُولى من الهمز، وهي في الأصل الكسر. العائبون المغتابون يكسرون شخصية الآخرين، ولذلك اُطلق عليهم اسم (الهمزة). و(اللمزة) من اللمز، وهو اغتياب الآخرين، والصاق العيوب بهم. للمفسّرين آراء متعددة في معاني هاتين الكلمتين، هل معناهما واحد، وهو المغتابون النّاس العائبون عليهم، أو إنّ معناهما مختلف. قال بعضهم إنّ معناهما واحد، وذكرهما معاً للتأكيد. وقيل: الهمزة هو المغتاب، واللمزة: العائب. وقيل: الهمزة هم العائبون بإشارة اليد والرأس. واللمزة من يعيب بلسانه. وقيل: الاُولى إشارة إلى العائب في حضور الشخص، والثّانية للعائب في الغيبة. وقيل: الاُولى تعني العائب في العلن، والثّانية للعائب في الخفاء، وبإشارة العين والحاجب. وقيل: إنّ الإثنتين بمعنى الذي ينبز النّاس بالقاب قبيحة مستهجنة. وعن ابن عباس في تفسير الكلمتين قال: (هم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الناعتون للناس بالعيب). يبدو أن ابن عباس استلهم هذا التّفسير من كلام لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: (ألا اُنبئكم بشراركم ؟ قالوا: بلى يارسول اللّه. قال: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبّة، الباغون للبرآء المعايب). من مجموع آراء اللغويين في الكلمتين يستفاد أنّهما بمعنى واحد. ولهما مفهوم واسع يشمل كلّ ألوان إلصاق العيوب بالنّاس وغيبتهم والطعن والاستهزاء بهم، باللسان والإشارة والنميمة والذم. التعبير بكلمة (ويل) يحمل تهديداً شديداً لهذه الفئة. والقرآن يتشدّد تجاه هؤلاء الأفراد ويذكرهم بعبارات لا نظير لها في ذكر سائر المذنبين. فحين يذكر المنافقين الذين يسخرون من المؤمنين يتهددهم بعذاب أليم ويقول: “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ” (التوبة 80). مثل ذلك ذكره القرآن بشأن المنافقين المستهزئين بالنّبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية (5) من سورة (المنافقون) “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ” (المنافقون 5). الإسلام، أساساً، ينظر إلى شخصية الإنسان وكرامته باحترام بالغ، ويعدّ أيّ عمل يؤدّي إلى إهانة الآخرين ذنباً كبيراً، وورد عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أذل النّاس من أهان النّاس). في هذا المجال ذكرنا شرحاً أوفى في تفسير الآيتين 11 و12 من سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)” (الحجرات 11-12).
جاء في موقع موضوع عن ما الفرق بين الهمزة واللمزة من حيث المعنى للكاتبة بتول الدغيم: خلقنا الله عزّ وجل لعبادته وحده، وأرسل الرسل والأنبياء لتبيان طريق الحق واتباعه، فخاتم النبيين رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة الإسلام، ذلك الدّين القويم الذي دعا لتوحيد الله عزّ وجل، وبيّن شكل العلاقة بين المسلمين، وأنّها يجب أن تكون قائمةً على الأخوّة والمساواة والعدل وحب الآخرين، ونبذ الغيبة والسّخرية واللمز والتنابز بالألقاب، ولكن يأبى البعض إلّا أن يسخر ويستهزئ ويحتقر، ممّا يؤدّي إلى تفكك الأسر والمجتمع، وإلى الحقد والكره والبغضاء. الغيبة هي التحدث غيباً عن المسلم بصفاتٍ موجودةٍ فيه، لكنه يكرهها ولا يحب أن تنتشر بين الناس، ويندرج تحت مسمّى الغيبة لفظان، هما من أقسام الغيبة المحرمة: الهمز واللمز، وقد وردت سورةٌ كاملةٌ في القرآن الكريم اسمها الهُمزة تبيّن عقوبة الهمّاز واللمّاز، فقد قال سبحانه وتعالى: “وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ” (الهمزة 1-9)، فقد توعد الله عزّ وجل من يفعل ذلك بالويل، وقد اختُلف في تفسير معنى الويل، فمنهم من قال إنّه وادٍ في جهنم، ومن من قال إنّه دلالةٌ على شديد العذاب والهلاك. قال الله تعالى: “ولا يغتب بعضكم بعضـًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتـًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله توابٌ رحيم” (سورة الحجرات 12).
وتستطرد الكاتبة بتول الدغيم عن الفرق بين الهمزة واللمزة قائلة: وردت أقوالٌ كثيرةٌ في التفريق بين لفظتي الهمزة واللمزة ومنها: قال ابن عباس: همزة لمزة: طعّان مِعياب. قال مقاتل: الهمزة: الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي يُعيبك في الوجه. قال سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه ومثله قال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، و اللمزة الذي يومض بعينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه. قال الربيع بن أنس: الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزة من خلفه. قال ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. عليه فإنّ الهمز يكون بالحديث عن شخصٍ ما أو نقده بوجهه علناً بالشيء الذي يكرهه، واللّمز بالمثل أيضاً ولكن يكون بالسر ودون علمه، وتختلف أشكال الهمز واللمز كابتسامةٍ ساخرةٍ أو إشارةٍ بالعينين أو الحاجبين أو الفم أو اليدين، وغيرها من التعابير اللفظية، كما أنّ الهمز يكون بالإساءة بالفعل واللفظ، بينما اللمز بالإشارة والإيماءات. دواعي الهمز واللمز الانتقاص من الآخرين لرفع الذات والزهو بها. الشعور بالحقد والحسد والغيرة. التسلية بنهش أعراض الآخرين. الضحك والسخرية من الآخرين. الانتقام. كيفية التخلص من آفات اللسان الغيبة والنميمة والهمز واللمز والبهتان كلها من آفات اللسان، ويوم القيامة سيدخل النار أناسٌ كثرٌ بسبب حصائد ألسنتهم. للتخلّص من آفات اللسان يجب على المرء: الاستحياء من الله تعالى ومراقبته وامتثال أوامره ونواهيه. استشعار الخسارة الكبرى جراء ذلك، فالمغتاب يقدّم حسناته للشخص الذي يغتابه. الاشتغال بعيوب النفس وإصلاحها وترك عيوب الآخرين، فإن كان لا بُدّ فالنصيحة تكون سراً. الاقتداء بالسلف الصالح واتباع نهجهم، ومفارقة أصحاب السوء ومجالسهم. مجاهدة النفس ومعاقبتها. إشغال النفس بالطاعات والتعمّق في الدين الإسلامي. حفظ اللسان وصونه بالخوض في أعراض الناس.