رياض الفرطوسي
منذ استقلالها، وجدت أوكرانيا نفسها واقفةً في منطقة ظلٍّ لا تنتهي، ظلّ يمتدّ من ماضي الإمبراطورية الروسية إلى شمس الغرب التي تلمع من بعيد. كان البلد أشبه بفتاةٍ تُغريها مرايا بروكسل وواشنطن، لكنها ما تزال تسمع وقع أقدام موسكو في الذاكرة. ولم يكن تردّد النخبة الأوكرانية بشأن التخلي عن السلاح النووي إلا درجةً أولى في سلّم طويل من الحيرة السياسية، حيرةٍ كان أصلها سؤالًا أعمق وأخطر:
من تكون أوكرانيا؟
هل هي دولة موحّدة بالروح واللغة والخيال الجمعي، تفتح أبوابها للغرب بثقةٍ مراهقة؟ أم أنّها فسيفساء سلافية متداخلة، يحمل نصفها ملامح كييف، ونصفها الآخر ظلّ سان بطرسبورغ، بما يفرض عليها أن تتلفّت دائماً نحو الشرق خوفاً ورغبةً في آن؟
هذا السؤال لم يبق في صفحات الباحثين، بل انحشر في صدور السياسيين، وفي شوارع كييف وأوديسا وخاركيف. سنواتٌ طويلة من الانقلابات المتعاقبة، وصناديق اقتراع لا تهدأ، وثورتان برتقاليتان في عقد واحد… كلها كانت وجوهاً لصراع واحد: صراع طريقين، طريق يرى المستقبل في موسكو، وآخر يتجه غرباً حيث أوروبا والناتو والحلم الليبرالي.
ولم يكن هذا الانقسام مجرد مواجهة بين “سلطوية” و“ديمقراطية” كما أحبّ البعض أن يختصره، بل كان خلافاً بين رؤيتين متصارعتين لموقع أوكرانيا في خريطة العالم:
أهي دولة مهمّة بذاتها؟ أم مجرّد مساحة يتصارع عليها الكبار؟
ومقارنةً بدول البلطيق التي قفزت مهرولةً إلى الحضن الغربي، أو جمهوريات آسيا الوسطى التي فضّلت توازناتٍ حذرة بين موسكو وبكين والغرب، ظلّت أوكرانيا معلّقة بين الخيارين، لا تجرؤ على الحسم، ولا تملك ترف الانتظار.
ومع مرور الزمن، لم تعد الهوية وحدها هي العنوان. فحين يشتدّ الصراع تتحرك الخيوط تحت الأرض. وهنا بدأت أوكرانيا تكتشف أن ثرواتها الطبيعية ليست مجرد تفاصيل جغرافية، بل قلب الصراع نفسه. فروسيا التي تتغذى على احتياطيات سيبيريا تعرف جيداً أن السيطرة على أوكرانيا ليست لعبة خرائط، بل لعبة أنابيب.
فالغاز — هذا الدم الأزرق للأرض — هو سلاح القرن، وكل الأنابيب الروسية الكبرى تمرّ من خلال الأراضي الأوكرانية نحو أوروبا: ألمانيا، بولندا، دول الشمال التي تعرف جيداً معنى أن يعطس الكرملين فيتجمد نصف الشتاء الأوروبي.
ولذلك، لم يكن الحلف الأطلسي وحده في عين العاصفة. كان سؤال الطاقة هو الشبح الأكبر.
أوروبا لا تستطيع أن تتخلى عن الغاز الروسي بين ليلة وضحاها، وروسيا لا ترغب أن ترى أوروبا تستغني عنها. وبينهما تقف أوكرانيا كجسر هشّ، كلما مرّت فوقه قوة كبرى ارتجف، وكلما حاول النهوض انكسرت ألواحه من ثقل الصراع.
ثم جاء طيف ترامب وبوتين إلى المشهد، كلاهما يرى العالم كصفقة طويلة الطاولة. بدا وكأن موسكو وواشنطن — ولو عابراً — تتقاطعان في النظرة إلى أوكرانيا كورقة تفاوض، لا كدولة لها وزنها.
هنا دخلت المعادن النادرة، واحتياطات الغاز، وامتيازات الأنابيب، وخريطة الطاقة الأوروبية في قلب اللعبة. فالسيطرة على أوكرانيا تعني أن روسيا تملك اليد العليا على النبض الحراري لأوروبا، وأن ألمانيا وشقيقاتها في الشمال سيجدن أنفسهن واقفات على باب الكرملين كل شتاء.
في تلك اللحظة، صار واضحاً أن الحرب ليست حول الديمقراطية وحدها، ولا حول الناتو وحده، بل حول من يطفئ ويشعل أضواء أوروبا.
من يتحكم في حرارتها، في مصانعها، في شريانها الاقتصادي.
من يملك مفتاح الغاز… يملك جزءاً من مستقبل القارة.
اليوم، حين تنظر أوكرانيا في المرآة، لا ترى دولة تبحث عن هوية فحسب، بل ترى نفسها واقفة على خط الزلزال، تدفع ثمن سنواتٍ طويلة من التردّد. فالتاريخ لا يسامح من يتردد، والجغرافيا لا ترحم من يقف في منتصف الطريق.
والحرب التي يراها العالم دائرة في المدن والحقول، إنما هي في حقيقتها حرب تجري تحت الأرض… في الأنابيب، في الحقول الغازية، في المعادن النادرة، وفي الخطوط التي ترسمها شركات الطاقة العملاقة قبل أن يرسمها الجنرالات.
وهكذا، لم تعد أوكرانيا ساحة حربٍ بين إمبراطوريتين، بل أصبحت المعبر الذي يريد كلُّ طرفٍ أن يمرّ عبره ليعيد تشكيل القرن. حربٌ ليست “على” أوكرانيا بقدر ما هي حربٌ تُدار بواسطة أوكرانيا.
دولة تقف في منتصف الطريق، حيث لا يسمح التاريخ بالتردد، ولا تسمح الجغرافيا بالنجاة بسهولة.