بين عقيدة الشيعة الإسماعيلية وعقيدة الشيعة الإثني عشرية

علي المؤمن

انقسمت الطائفة الشيعية الإسماعيلية، بعد تأسيسها في القرن الهجري الأول، إلى طائفتين أساسيتين، أحداهما المعروفة اليوم بطائفة البهرة الداودية الطيبية، التي تشترك مع المذهب الإثني عشري في كثير من العقائد والأحكام والطقوس، وتتميز بالالتزام الديني والتمسك بأحكام الشريعة، والأخرى هي الطائفة النزارية الآغاخانية، المتهمة بعدم التزامها الديني، رغم اشتراك الفرعين في أغلب العقائد. وكلاهما يميل إلى التسامح والتعايش مع المذاهب الإسلامية والأديان الأخرى. ويبلغ عدد أتباع الطائفة الاسماعيلية الداودية (البهرة وغيرهم) حوالي (20) مليون نسمة، فيما يبلغ عدد أتباع الطائفة الإسماعيلية النزارية حوالي (15) مليون نسمة، أي أن جميع أتباع المذهب الإسماعيلي بكل تفرعاته، لايتجاوز (35) مليون نسمة. ويتركزون في الهند بالدرجة الأساس، إضافة إلى جاليات في البلدان الأخرى، مثل باكستان وأفغانستان وسوريا واليمن والسعودية ومصر وأوروبا. في حين يزيد عدد أتباع المذهب الشيعي الإثني عشري على (350) مليون نسمة، منتشرون في أكثر من (100) دولة، أي أن الشيعة الإثني عشرية هم المعبر عن مفهوم الشيعة والتشيع بالمعنى الواقعي.

وقد كان الشيعة الإمامية طائفة واحدة حتى وفاة الإمام جعفر الصادق، ثم بعدها انشق محمد بن اسماعيل بن الإمام الصادق عن الخط الشيعي العام، وأسس فرقة خاصة به، تقول بأنّ الإمامة بعد الصادق هي لابنه اسماعيل، الذي توفي في حياة الإمام الصادق، وأن الإمامة استمرت في ذرية محمد وصولاً إلى الطيّب بن الآمر، وهؤلاء هم البهرة الطيبية. بينما كان الخط العام للشيعة متمسكاً بنص الإمام الصادق على إمامة ابنه موسى الكاظم من بعده، والمتمثل بالشيعة الاثنا عشرية. ولم يكن هذا الانقسام مجرد خلافٍ نسبي، بل أنتج منهجين مختلفين في فهم معنى الإمام ووظيفته ومن يخلفه عند الغيبة.

ويعتقد الشيعة الإسماعيلية البهرة أن الإمام هو الواسطة بين الله وخلقه، ومصدر الهداية الباطنية، وبه تُعرف حقائق التوحيد. وبعد الإمام الطيّب بن الآمر (القرن السادس الهجري) دخل الإمام في الستر، وما زال حيّاً مستوراً. ومن هنا نُصِّب الداعي المطلق نائباً عنه، وهو الذي يتولى التصريف الديني والروحي باسم الإمام الغائب. ويرى البهرة أنّ الإمام هو مظهر الله ومعناه في عالم الخلق، ونوره هو الوسيط بين العقل الكلي والنفس الكلية، وهو حلقة الوصل التي بها يتحقق الوجود والعبادة. وبعد دخول الإمام الطيّب في الستر، اعتقدوا أنّ السماء لا تُترك بلا واسطة، فعيّن الإمام قبل غيبته مَن ينطق بلسانه في الأرض، وهو الداعي المطلق.

أمّا الشيعة الاثنا عشرية فيعتقدون أن الإمامة نصٌّ إلهي على اثني عشر إماماً، أولهم الإمام علي، وآخرهم الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري. والإمام عندهم معصوم منصوص عليه، وهو حجة الله الباطنة والظاهرة. وقد انقطعت الإمامة الظاهرة بغيبة الإمام المهدي سنة ٣٢٩هـ، وهو الذي سيظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. والإمام معصوم ولكنه ليس مظهر الألوهية؛ بل هو عبدٌ مصطفى، حجة الله ودليله، لا كائن فوق البشر.

وفي مرحلة غياب الإمام، يذهب الشيعة البهرة إلى أنّ نائبه هو الداعي المطلق، الذي يُطاع طاعةً مطلقة، وله سلطة دينية وزمنية على شؤون الطائفة كافة. ويرونه «العقل النوراني» الذي يتلقى الإلهام من الإمام الغائب. ومن أطاعه أطاع الإمام، ومن خالفه فقد جهل الله. هذه المركزية الصارمة صنعت من البهرة جماعة ذات انضباط مذهبي شديد، يعيش أفرادها في طاعة كاملة لقيادتهم، التي يرونها ظل الإمام على الأرض، ويُعيَّن الداعي فيها بالنصّ من سابقه.

بينما يرى الشيعة الاثنا عشرية أنّ النيابة في زمن الغيبة ليست مطلقة؛ بل عامة، وتنحصر في دائرة الفقهاء الجامعين للشرائط (الولاية العامة). والمرجع ليس معصوماً ولا صاحب نصّ، بل هو نائب الإمام في الفتوى والقضاء وأمور الحسبة والمال الشرعي والحكم.

ويرى الشيعة البهرة أنّ الطريق إلى معرفة الله يمرّ بعد النبي بالإمام المستور ثم بالداعي المطلق، لأنه المبيّن للباطن والرموز. ولذلك يقوم التدين عندهم على التسليم والطاعة المطلقة للقيادة الروحية، التي تطوّرت إلى هيكل متمركز في شخص الداعي، بحيث يخضع الدين والطاعة والهوية والاقتصاد والسياسة لسلطته.

أمّا الشيعة الاثنا عشرية، فتؤخذ معرفة الله والعقيدة عندهم من النبي والأئمة، ولا وسيط في العبادة أو التقرب. فالإمام دليل إلى الله لا حجابٌ عنه، والمرجع يُتَّبع في الفتوى والأحكام فحسب، لا في العبادة أو الإلهام الروحي. وعند الإمامية تفرّعت السلطة بين الإمام الغائب ميتافيزيقياً، والعالم المجتهد عملياً، فصار النظام أكثر فقهاً ومؤسسيةً، وأقلّ باطنيةً وأكثر اجتماعية.