د. فاضل حسن شريف
جاء في الحديث النبوي الشريف (ان الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض، السنة اثنا عشر شهرا منها اربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان) وسميت حرم لتحريم القتال فيها والاشهر الاخرى يحل فيها القتال والا القصاص “الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ” (البقرة 194). و أسماء الشهور في الجاهليَّة فهي المحرَّم: (المؤتمر)، وصفر: (ناجر)، وربيع الأوَّل: (خَوَّان أو خُوَّان)، وربيع الآخر: (وُبْصَان أو وَبْصَان)، وجمادى الأولى: (الحَنين)، وجمادى الآخرة: (رُنَّى أو رُبَّى)، ورجب: (الأَصَمُّ)، وشعبان: (عاذِل)، ورمضان: (ناتق)، وشوَّال: (وَعِل)، وذو القعدة: (وَرْنَة أو هُوَاع)، وذو الحجة: (بُرَك)، وذُكر غير ذلك في هذه الأسماء، وهناك من خالف جمهور العلماء في أسماء هذه الشهور. والموازنة بين بعض هذه الأسماء الواردة في الأبيات، وما يُقابلها في الرواية السابقة تُرجِّح أنَّ ثَمَّة تصحيفًا أو تحريفًا في بعض أسمائها، قارن مثلًا بين (وبْصَان – صُوَّان)، و(الحنين – حنتم)، و(رنَّى وربَّى – وزَبَّاء)، و(عاذل – عادل)، و(ناتق – نافق)، و(وَعِل – واغل). أيضًا هناك للشهور الهجريَّة أسماءٌ أخرى وهي بلغة العرب العاربة، فهم كانوا يُسمُّون المحرَّم (موجبًا)، وصفر (موجزًا)، وربيع الأوَّل (موردًا)، وربيع الآخر (ملزجًا)، وجمادى الأولى (مصدرًا)، وجمادى الآخرة (هوبرًا)، ورجب (مويلًا)، وشعبان (موهبًا)، ورمضان (ذيمرًا)، وشوَّال (جيفلًا)، وذا القعدة (محلسًا)، وذا الحجة (مسبلًا). وكانت سنتهم تبدأ من شهر رمضان. سُمِّي رجبًا لترجيبهم آلهتهم فيه، والتَّرجيب: أن يُعظِّموها ويذبحوا عنها.
ويرى الفقهاء ان للزمان اهمية في العبادة ومنها أوقات الصلوات، وهي دلائل مذكورة في القرآن الكريم كقوله تعالى “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ” (التوبة 36). فشهر رمضان شهر الله، وهناك عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة، وليلة القدر، و غيرها من الاوقات التي لها اعتبار مميز. وهنالك اوقات وايام اقل اهمية تختلف باختلاف المذاهب الاسلامية كليلة الجمعة ونصف شهر رجب ونصف شعبان ويوم التروية، ويوم دحو الأرض الذي يصادف في رجب وغيرها. قال النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم في حجة الوداع (إن الزَّمَان قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ). والحرمة يعني مضاعفة الذنب فيها.
جاء في موقع قناة الكوثر عن المبعث النبوي الشريف انوار و بركات: فالمبعث النبوي الشريف هو مبعث النور ومولد الرسالة والقرآن الكريم، وانطلاقة الحضارة الإسلامية، ثم أن هذا اليوم هو يوم عيد ليس فقط للأمة الإسلامية ولكن للبشرية جمعاء فبعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عمت بركتها الكائنات، فهذا اليوم يحمل ذكرى رسالة خالدة ذكرى ولادة النور والرحمة. تاريخ البعثة وكيفية نزول القرآن: والمروي عن أهل البيت عليهم السلام ـ وأهل البيت أدرى بما فيه وأقرب إلى معرفة شؤون النبي صلّى الله عليه وآله الخاصة: إن بعثة النبي صلّى الله عليه وآله كانت في السابع والعشرين من شهر رجب. وهذا هو المشهور بل ادعى المجلسي، الإجماع عليه عند الشيعة، وروي عن غيرهم أيضاً. وقيل: إنه صلّى الله عليه وآله بعث في شهر رمضان المبارك، واختلفوا في أي يوم منه، وقيل في شهر ربيع الأول، واختلف أيضاً في أي يوم منه. فلقد اتفق علماء الشيعة على القول بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بُعِث بالرسالة في السابع والعشرين من شهر رجب، وأن نزول الوحي عليه قد بدأ من ذلك اليوم نفسِه. بينما اشتهر عند علماء السُنّة أن رسول الإسلام قد اُوتي هذا المقام العظيم في شهر رمضان المبارك. ولعل هذا عائد للاختلاف في فهم الآيات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر والروايات عند المذاهب الإسلامية ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المختصة. وخلاصة القول: إنه لا مانع من أن يكون صلّى الله عليه وآله قد بعث وصار نبياً في شهر رجب، كما أخبر به أهل البيت عليهم السلام وهيئ ليتلقى الوحي القرآني: “إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً” (المزمل 5)، ثم بدأ نزول القرآن عليه تدريجياً في شهر رمضان المبارك. بدء الوحي وأول ما أنزل: لقد كان بدء الوحي في غار حراء، وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة ويقال: هو جبل فاران، الذي ورد ذكره في التوراة إلا أن الظاهر هو أن فاران اسم لجبال مكة، كما صرح به ياقوت الحموي، حسبما تقدم، لا لخصوص حراء. وكان صلّى الله عليه وآله يتعبد في حراء هذا، على النحو الذي ثبتت له مشروعيته، وكان قبل ذلك يتعبد فيه عبد المطلب. وأول ما نزل عليه صلّى الله عليه وآله هو قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم “اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الأنسان من علق” (العلق 1-2). وهذا هو المروي عن أهل البيت عليهم السلام. وروي أيضاً عن غيرهم بكثرة، كما ورد عن المسعودي قال: فأنزل عليه بمكة من القرآن اثنان وثمانون سورة ونزل تمام بعضها في المدينة وأول ما نزل عليه من القرآن “اقرأ باسم ربك الذي خلق” (العلق 1).
جاء في كتاب الصلاة للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: في أوقات الصلوات: إذا راجعنا المتشرعة واطلعنا على ارتكازهم لوجدنا بكلِّ تأكيدٍ أنَّ الأوقات تختلف في درجة الفضل عند الله سبحانه وتعالى سواءٌ في ذلك أوقاتُ النهار والليل أو أيام الاسبوع أو أيام الشهر أو أيام أشهر السنة. ولكنَّ ذلك لا يمكن إثباته بالعلم الطبيعي لوضوح أنَّ الزمان متساوي الأجزاء وجارٍ على حدٍّ واحدٍ على كلِّ الأشياء. لكننا بالرغم من ذلك يمكن أن نثبت ذلك على عدَّة مستويات: المستوى الأول: إنَّ الفضل ليس للزمان نفسه وإنما شاءت الإرادة الإلهية وجود التوقيت لكثيرٍ من الواجبات والمستحبات لمصلحةٍ في الأمر أو في المتعلق كما شرحنا، باعتبار حرية تلك الإرادة. فالله سبحانه يحبُّ أن يرى عبده متعبداً ومتوجهاً، في هذا الزمان وذاك، على غير تعيينٍ سوى مجرد الإختيار الإلهيِّ له. وأما كون هذا المستوى صحيحاً أم لا، فهذا مما لا ينبغي الدخول في تفاصيله، وسيأتي في المستويات القادمة ما يصلح أن يكون جواباً على ذلك المستوى. المستوى الثاني: ما دلَّ من القرآن الكريم على اختلاف الأزمان. وإذا أمكن أن يكون بعض الزمان مهماً أمكن أن تكون أجزاءٌ أخرى مهمةً أيضاً كبرت أو صغرت. هذا بغضِّ النظر عن قوله تعالى: “أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً” (الاسراء 78). إذ قد نقول بأنَّ مثل هذه الآية لمجرد التوقيت وليس لوصف الزمن، فالإستدلال بالآية السابقة أوضح. المستوى الثالث: ما دلَّ من السنة على أهمية بعض الأزمان بذواتها، فشهر رمضان شهر الله، وهناك عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة، وليلة القدر، واضحة الأهمية شرعاً ومتشرعياً بالضرورة في الإسلام. مضافاً إلى أهمية أيامٍ أخرى بدرجة إثباتٍ أقل، كليلة الجمعة ونصف شهر رجب ونصف شهر شعبان ويوم التروية ويوم دحو الأرض وغيرها كثير. المستوى الرابع: إنَّ هذا لا يختلف في معناه عن الأعياد الإجتماعية والمناسبات القومية لدى الشعوب. فإذا كان المجتمع العقلائيُّ يدرك أهمية بعض الأجزاء من الزمن، فليس من حقه أن يستكثر ذلك على الشريعة. المستوى الخامس: إنَّ إناطة بعض الأمور ببعض الأزمنة طبيعياً، ليس بالقليل ولا النادر، كإناطة بعض النباتات من الفواكه أو الأزهار، بالربيع أو بالصيف أو بالشتاء، وإناطة المدِّ والجزر بحركات القمر، ومن أوضح أمثلته: الساعة البايلوجية المربوطة بساعات الليل والنهار، والتي تختلف حالات الفرد باختلافها، بلا تعرفٍ واضحٍ على سبب ذلك، ولا حتى بدون أن يعرف الفرد نفسه من نفسه ذلك. إذن، فالزمان له دخلٌ حتى في العلوم الطبيعية، فلمإذا يستكثر ذلك على الشريعة أو يستشكل منها؟.