السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية–أمنية

رياض سعد

*سيطرات بلا أمان: مسرحيات أمنية وفشل استخباري

على مدى عقدين من الزمن، تحوّلت ظاهرة انتشار السيطرات العسكرية والبوليسية—الدائمة منها والمؤقتة—إلى مشهد يومي مألوف في الشوارع الرئيسة، ومداخل المدن، والأحياء السكنية، بل وحتى الأزقة الفرعية…. ؛  كثافة لافتة، وانتشار أفقي وعمودي، وحضور دائم يزعم حماية الأمن العام… ؛  غير أنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح : ماذا حققت هذه السيطرات فعليًا؟ وهل أدّت الغاية التي أُنشئت من أجلها، أم تحوّلت إلى عبء ثقيل على المجتمع والدولة معًا؟

على الرغم من كثرتها الكاثرة، لم يشهد المواطن—طوال سنوات طويلة—حالة موثّقة أُحبطت فيها عملية انتحارية بحزام ناسف عند إحدى هذه السيطرات، أو أُلقي القبض على إرهابي كان في طريقه لتنفيذ جريمة كبرى… ؛  بل إنّ أجهزة كشف المتفجرات التي استُوردت في حينه، وروّج لها بوصفها إنجازًا تقنيًا، تبيّن لاحقًا—باعتراف رسمي وقضائي—أنها فاسدة وغير صالحة ؛ لا تؤدي الغرض الذي جيء بها من أجله، وأنها كانت جزءًا من ملف فساد واسع كلف البلاد أموالًا طائلة وأرواحًا بريئة...!!

المفارقة الأكثر إيلامًا أنّ بعض المسؤولين، ورؤساء الحكومات تحديدًا، لا يتذكّرون عبء هذه السيطرات وآثارها السلبية إلا عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية… ؛  حينها تُطلق الوعود بإزالتها “تخفيفًا للازدحام المروري” و”رحمة بالمواطن”، وكأنّ الأمر منّة أو مكرمة حكومية، لا حقًّا أصيلًا لمواطن أنهكته الاختناقات والانتظار والإهانات اليومية… ؛ أو كأنها كانت عثرة في طريق المواطن يجب إزاحتها! … ؛  وما إن تُطوى صفحة الانتخابات حتى تعود السيطرات بأعداد أكبر، وتتبخر الوعود، وتذهب أدراج الرياح هباءً منثورًا…!!

إنها دورة نفاق سياسي صارخة، تعامل فيها الأجهزة الأمنية كأداة للاستعراض في الأوقات العادية، وللتذكير “بين الحين والآخر” بثقل وجود الدولة، وإن كان وجودًا شكليًا عاجزًا...!!

بل تجاوز الأمر كونه إخفاقًا أمنيًا وشكليًا سياسيًا، إلى تحوله إلى وكر للفساد والابتزاز المنظم… ؛  فكما تشيع التقارير الإعلامية ونشاطات التواصل الاجتماعي، أصبحت بعض هذه النقاط تُباع وتُشترى، ويُتاجر بمواقعها بين الضباط والفصائل… ؛  لقد تحولت إلى محطات لنهب المواطن، خصوصًا أصحاب الشاحنات المحملة بالبضائع والسلع ، الذين يُفرض عليهم “الجبايات” اليومية تحت مسميات وذرائع شتى… ؛  والأخطر من ذلك، ما تُشير إليه بعض الروايات من أن هذه البؤر الفاسدة، تحت غطاء الرتابة والروتين، قد تسهل – مقابل الرشوة – مرور العناصر الإرهابية والاجرامية ومعداتها، ليصبح الحاجز المفترض أن يكون خط الدفاع الأول، بوابة خلفية للنفاذ، وبثمن بخس من “السحت الحرام”...!!

إنّ الإشكال ليس في وجود السيطرات من حيث المبدأ، بل في الفلسفة الأمنية التي ترى في قطع الطرق ونشر الحواجز الثابتة بديلاً عن العمل الاستخباري الحقيقي… .

 كثير من الضباط والقادة يتصوّرون أنّ ضبط الأمن يتحقق بكثرة السيطرات، وبخلق ازدحامات مرورية خانقة، وبأسئلة نمطية من قبيل: “وين رايح؟ ومنين جاي؟” وكأنّ المطلوب سيعترف من السؤال الأول، أو أنّ الجريمة تُكتشف بالصدفة لا بالتحليل والمتابعة...!!

تجربة “فرض القانون” في أكثر من محافظة—ومثال ميسان حاضر—كشفت هذا الخلل بوضوح… ؛  سيطرات عديدة نُصبت في مفاصل الطرق الحيوية، ولا سيما عند مداخل المدن، حتى بدت المدينة ثكنة عسكرية ثابتة لا تتحرك… ؛  أمام هذا الواقع المزري، اضطرّ المسؤول المحلي للتدخل ومعالجة الظاهرة بعد أن تحولت إلى كارثة يومية على السكان والقادمين، دون مردود أمني ملموس.

لا يزال وهْمُ “الأمن بالحصار” يسود في عقلية الكثير من قادة الأجهزة الأمنية، الذين يتصورون أن ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار لا يكون إلا بقطع الطرق، ونشر الحواجز الثابتة والمتحركة في كل شارع رئيسي وزقاق فرعي … !!

أيها القادة، إنّ الأمن لا يتحقق بقطع الطرق ولا بالاختناقات المرورية الكارثية، ولا بإرهاق المواطن وإذلاله… ؛ والأمن يُبنى بالجهد الاستخباري العميق—البشري والتقني—وبتحليل المعلومات، وملاحقة الشبكات قبل أن تتحرك، وبقضاء حازم وصارم لا يساوم، وبمؤسسات وشخصيات خاضعة للمساءلة لا محمية بالحصانة… ؛ و الأمن يُصان حين يشعر المواطن أنّ الدولة تحميه لا تعرقله، وتثق به لا تشتبه به على الدوام.

إنّ إعادة النظر الجذرية في مفهوم السيطرات، وتحويلها من عبء شكلي إلى أداة ذكية ومتحركة، وربطها بمنظومة استخبارية فعّالة، هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة المفقودة… ؛  أما الإبقاء عليها بهذا الشكل، فليس سوى إعادة إنتاج لوهم الأمن، على حساب كرامة الناس، ووقتِهم، واقتصادِهم، ومستقبلِ الدولة نفسها... .

نعم , إن هذا المشهد المأزوم يكشف خللاً منهجيًا عميقًا في الفلسفة الأمنية السائدة… ؛  فالأمن الحقيقي لا يُبنى بحجب الطرقات وتعطيل الحياة، بل بالعقل الاستخباري الذي يجمع المعلومة الدقيقة، وبالكفاءة البشرية المدربة، والتقنية الفعالة النظيفة، وأخيرًا وليس آخرًا، بقضاء عادل وسريع وحاسم، يضرب بيد من حديد على الفاسد والإرهابي معًا، دون تمييز… ؛  فمتى نعي أن الحواجز الخرسانية لا توقف الأفكار المتطرفة، وأن الازدحامات لا تصنع استقرارًا، وأن الأمن هو ثمرة العدالة والكفاءة، وليس نتاج حصار المواطنين في شوارعهم.