معركة طالوت وجالوت حسب تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة 249) “فلما فصل طالوت بالجنود” في الكلام حذف لدلالة ما بقي عليه وهو فأتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها فصدقوا وانقادوا لطالوت فلما فصل طالوت أي خرج من مكانه وقطع الطريق بالجنود أي العساكر واختلف في عددهم فقيل كانوا ثمانين ألف مقاتل عن السدي وقيل سبعين ألفا عن مقاتل وذلك أنهم لما رأوا التابوت أيقنوا بالنصر فبادروا إلى الجهاد “قال” يعني طالوت “إن الله مبتليكم بنهر” أي مختبركم وممتحنكم ومعنى الابتلاء هاهنا تمييز الصادق عن الكاذب في قوله عن الحسن وكان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء وخوف التلف من العطش عن وهب وقيل إنما ابتلوا بذلك ليصبروا عليه فيكثر ثوابهم ويستحقوا به النصر على عدوهم وليتعودوا الصبر على الشدائد فيصبروا عند المحاربة ولا ينهزموا. واختلف في النهر الذي ابتلوا به فقيل هو نهر بين الأردن وفلسطين عن قتادة والربيع وقيل هو نهر فلسطين عن ابن عباس والسدي وقوله “فمن شرب منه” (البقرة 249) الهاء كناية عن النهر في اللفظ وهو في المعنى للماء ويقال شربت من نهر كذا ويراد به الماء “فليس مني” معناه ليس من أهل ولايتي وليس من أصحابي وممن يتبعني “ومن لم يطعمه” أي ومن لم يطعم من ذلك الماء “فإنه مني” أي من أهل ولايتي وأوليائي وهومن الطعم الذي هوما يؤديه الذوق أي لم يجد طعمه لا من الطعام والطعم يوجد في الماء وفي الطعام جميعا.

وعن اطاعة الجنود أوامر القائد يقو الشيخ الطبرسي في تفسيره الآية البقرة 249: “إلا من اغترف غرفة بيده” (البقرة 249) إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد ومن قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار ملء كفه “فشربوا منه” أي شربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم قيل إن الذين شربوا منه غرفة كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا عن الحسن وقتادة وجماعة وقيل أربعة آلاف رجل ونافق ستة وسبعون ألفا ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر عن السدي وقيل من استكثر من ذلك الماء عطش ومن لم يشرب إلا غرفة روي وذهب عطشه ورد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر.

وعن بدأ المعركة جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه” (البقرة 249) معناه فلما تخطى النهر طالوت والمؤمنون معه وهم أصحابه وروي عن البراء بن عازب وقتادة والحسن أنه إنما جاوز معه المؤمنون خاصة كانوا مثل عدد أهل بدر وقيل بل جاوز المؤمنون والكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا وبقي المؤمنون على عدد أهل بدر عن ابن عباس والسدي وهذا أقوى لقوله سبحانه “فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه” فلما رأوا كثرة جنود جالوت “قالوا” أي قال الكفار منهم “لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده” (البقرة 249) فقال المؤمنون حينئذ الذين عددهم عدة أهل بدر “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله” (البقرة 249) قال أبو القاسم البلخي ويجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين غير أن بعضهم أشد إيقانا وأقوى اعتقادا وهم الذين قالوا “كم من فئة قليلة” إلى آخره “قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله” أي راجعون إلى الله وإلى جزائه قيل في يظنون ثلاثة أقوال (أحدها) إن معنى يظنون يستيقنون عن السدي كقول دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد. أي: أيقنوا (والثاني) إن معناه يحدثون نفوسهم وهو أصل الظن لأن حديث النفس بالشيء قد يكون مع الشك وقد يكون مع العلم إلا أنه قد كثر على ما كان مع الشك (والثالث) يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الوقعة “كم من فئة” أي فرقة “قليلة غلبت فئة كثيرة” (البقرة 249) أي قهرت فرقة كثيرة “بإذن الله” أي بنصره عن الحسن لأنه إذا أذن الله في القتال نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه “والله مع الصابرين” بالنصرة لهم على أعدائهم.