الشيعة بين استهداف الخارج وتآكل الداخل: قراءة في التاريخ والسياسة وبنية الصراع

رياض سعد

*مقدمة: إشكالية مركبة في عمق التاريخ والسياسة

ليست عداوة الأنظمة للشيعة ظاهرةً حديثةً، وليست نابعةً من مجرد خلاف مذهبي سطحي… ؛  إنها تراكم تاريخي لطبقات من المصالح الجيوسياسية، والمخاوف الأمنية، والصراع على الهيمنة، تجتمع عند هدف رئيسي: منع تحول الشيعة إلى قوة واعية موحدة وصاحبة قرار فاعل في معادلة المنطقة… ؛ لكن الخطر الأكثر دقةً وعمقاً لا يكمن في هذا العداء الخارجي وحده، بل في التمزقات الداخلية التي تنهش جسد العالم الشيعي، وتحوله من فاعل مؤثر إلى فريسة سهلة، تُنهكها صراعات هويات فرعية وولاءات متضاربة قبل أن يواجهها عدوها الأكبر.

نعم , ليس الصراع الذي واجهته الجماعات الشيعية عبر التاريخ حدثًا عابرًا أو نتاج توتر مذهبي سطحي، بل هو ظاهرة مركّبة تشكّلت عبر تفاعل طويل بين السياسة والسلطة والتاريخ والهوية… ؛  فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن الدولة المركزية في التاريخ الإسلامي، وُضع التشيّع في موقع الإشكال السياسي، لا لكونه مذهبًا فحسب، بل لأنه مثّل – في جوهره الرمزي والتاريخي – اعتراضًا أخلاقيًا على شرعية السلطة حين تنفصل عن العدالة.

*وجوه العداء الخارجي… أبعاد متشابكة

لقد رأت الأنظمة المتعاقبة، قديمها وحديثها، في التشيّع خطابًا مزعجًا للسلطة أكثر من كونه خلافًا فقهيًا… ؛  ففكرة “الحق المغصوب”، و”الإمام العادل”، و”مقاومة الظلم”، تحوّلت مع الزمن إلى مخزون ثقافي قابل للتحوّل إلى وعي سياسي، وهو ما جعل الشيعة – حين تتوفر لهم شروط التنظيم والوعي – قوة غير قابلة للتطويع الكامل داخل أنظمة الهيمنة... .

في السياق المعاصر، لا يمكن فصل الموقف الدولي من الشيعة عن منطق المصالح الجيوسياسية… ؛  فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تنظر بعين الريبة إلى أي جماعة تمتلك قدرة على التعبئة العابرة للحدود ولا تندمج كليًا في منظومة النفوذ الغربي… ؛  والشيعة، بحكم امتداداتهم الاجتماعية والعقائدية، يمثلون في حالات معيّنة عنصر إرباك لمشاريع السيطرة الناعمة وإعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات مضمونة النتائج.

أما الكيان الصهيوني، فيتعامل مع أي محور شيعي قوي بوصفه تهديدًا استراتيجيًا، لا بسبب الهوية المذهبية بحد ذاتها، بل لأن هذا المحور يقع – في الغالب – خارج منظومة التطبيع والتبعية، ويحتفظ بخطاب مقاوم يرفض دمج “إسرائيل” كحقيقة طبيعية في الجغرافيا السياسية للمنطقة.

وعلى المستوى الإقليمي، تخشى بعض الأنظمة العربية، ولا سيما في الخليج، من الحضور الشيعي ليس فقط بدافع مذهبي، بل خوفًا من انتقال نموذج “المطالبة بالحقوق” والمشاركة السياسية إلى مجتمعاتها… ؛  فالمسألة هنا تتعلق بالاستقرار السلطوي أكثر مما تتعلق بالعقيدة، حيث يُنظر إلى أي وعي سياسي مستقل بوصفه تهديدًا لبنية الحكم القائمة.

*البُعد الجيوسياسي والإقليمي: إيران ونظرية “الفوضى الخلّاقة”

يُعد الصعود الإيراني، خاصة بعد ثورة 1979 وتبنيها لخطاب تصدير الثورة، الحجر الأساس في إثارة مخاوف الأنظمة الإقليمية… ؛ اذ تحولت الطائفة الشيعية في نظر العديد من دول الخليج إلى طابور خامس محتمل، أو أداة لتنفيذ أجندة توسعية إيرانية… ؛ و هذا الربط الميكانيكي بين هوية المواطنين الشيعة وسياسات دولة أجنبية (إيران) غذى شكوكاً عميقة في ولائهم، وجعلهم تحت مجهر الأمن الدائم، خاصة في دول مثل السعودية والبحرين والكويت، حيث يشكلون نسبة سكانية تتراوح بين الأقلية المؤثرة والأغلبية.

*البُعد الداخلي (الوطني): الخوف من المطالبة بالحقوق

يتجاوز الخوف في العديد من الحالات المجال العقائدي إلى المجال السياسي المحض… ؛ فالوجود الشيعي الكثيف في مناطق حيوية وغنية مثل المنطقة الشرقية في السعودية (الغنية بالنفط) يشكل عاملاً يزيد من حساسية الملف… ؛ اذ تثير المطالب المشروعة للشيعة بالمشاركة السياسية العادلة والإنصاف الاقتصادي … ؛  مخاوف الأنظمة من تحولها إلى مطالب متصاعدة قد تُشعل فتيل الاحتجاج بين مكونات مجتمعية أخرى… ؛ و أدى ذلك في حالات عديدة إلى تسييس المذهب وتحويله إلى قضية أمنية، وعرض الشيعة لسياسات تضييق وتهميش منهجية، تُبرر أحياناً بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية أو مواجهة النفوذ الخارجي.

*البُعد التاريخي والهوياتي: إرث الصراع السني-الشيعي

لا يمكن فهم الحاضر بمعزل عن جراح التاريخ الممتدة منذ الخلاف على الخلافة… ؛ اذ تحولت هذه الجراح إلى سرديات هوياتية متضادة، تُغذيها أطراف متنوعة… ؛  فمن جهة، تروج بعض الخطابات المتشددة في العالم السني لصورة الرافضة الخونة الذين يتآمرون مع الأعداء التاريخيين… ؛  ومن جهة أخرى، يستغل النظام الإيراني وأتباعه خطاب المظلومية التاريخية لتعبئة الشيعة حول مشاريعهم، مما يعمق الهوة… ؛ اذ يستمر هذا الإرث كخلفية ثقافية وسياسية تُسهل تعبئة الطوائف ضد بعضها في أي صراع إقليمي، كما حدث في حرب العراق الإيرانية، والحرب الأهلية السورية، وصعود تنظيم “داعش” الذي مارس اضطهاداً دموياً ضد الشيعة.

ولا يمكن إغفال البعد التاريخي الرمزي لما يمكن تسميته بـ”العقلية الأموية أو الناصبية ”، لا بوصفها دولة انقضت، بل كنمط تفكير تكفيري استمر بأشكال مختلفة: نمط يقوم على شرعنة الغلبة، وتقديس السلطة والذبح والقمع والسبي ، وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم المنتصر، وتحويل الاعتراض الأخلاقي إلى جريمة سياسية وارتداد عن الملة وخروج من الدين .

* التمزق من الداخل… عداء الأشقاء

غير أن الإشكالية الأعمق، والأكثر إيلامًا، لا تكمن في استهداف الخارج وحده، بل في البنية الداخلية للمجتمع الشيعي ذاته… ؛  فالتاريخ الاجتماعي للشيعة يكشف عن مفارقة خطيرة: جماعة تمتلك رصيدًا هائلًا من التضحيات والرموز والمعاناة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من انقسامات داخلية حادة، كثيرًا ما تتحول من اختلاف مشروع إلى صراع هدّام.

فبدل أن يكون التنوّع الفقهي والسياسي مصدر غنى وحيوية، يتحوّل – في غياب إدارة عقلانية للاختلاف – إلى أداة إقصاء وتخوين… ؛  يُقاتل الشيعي أخاه الشيعي لا على مشروع جامع أو رؤية استراتيجية، بل على تفاصيل جزئية: مرجعية هنا، أو اصطفاف سياسي هناك، أو صراع نفوذ، أو حتى قضايا هامشية تُضخَّم وتُحمَّل ما لا تحتمل.

*صراع المرجعيات والولاءات العابرة للحدود

يُشكل التبعية الدينية لمراجع يعيشون خارج حدود الدولة الوطنية واحداً من أعمق مصادر الانقسام والريبة… ؛  ففي دول الخليج، يقلد الشيعة مراجع كباراً مقيمين في النجف (العراق) مثل السيد علي السيستاني، أو في قم (إيران) مثل السيدعلي الخامنئي أو السيد صادق الشيرازي… ؛ و يخلق هذا ازدواجية ولاء مُتصورة، ويجعل المجتمعات الشيعية ساحة لاستقطاب المرجعيات المتنافسة… ؛  تُترجم هذه المنافسة أحياناً إلى انقسامات محلية حادة بين مقلدي مرجع وآخر، خاصة مع تصاعد الدعوات المحلية لظهور مرجعية خليجية أو عربية مستقلة لقطع هذا الربط الخارجي المثير للجدل.

*الصراع على التمثيل السياسي والانقسامات الداخلية

يظهر التشرذم السياسي جلياً في الدول التي يُسمح فيها للشيعة بالمشاركة السياسية… ؛ ففي لبنان، على سبيل المثال، يُهيمن حزب الله وحركة أمل على المشهد السياسي الشيعي بشكل شبه كامل، مما يُهمش أي صوت شيعي معارض أو مستقل… ؛ و حاولت شخصيات شيعية لبنانية مراراً تشكيل معارضة شيعية، لكنها فشلت في التحول إلى قوة شعبية فاعلة، بسبب افتقادها لمشروع واضح، وعدم قدرتها على اختراق الحواجز الأمنية والخدماتية التي تخلقها القوى المهيمنة، بالإضافة إلى الانقسامات بين شخصياتها نفسها… ؛ و هذا المشهد يتكرر، وإن بأشكال مختلفة، في العراق والبحرين والباكستان … الخ ، حيث تتنازع أحزاب وجماعات شيعية عديدة على السلطة والنفوذ، وغالباً ما ينحدر الصراع إلى مستوى الاتهامات بالخيانة والتبعية.

*الصراع الأيديولوجي: الاعتدال مقابل التطرف الثوري

ينقسم العالم الشيعي عميقاً حول رؤيته للذات والعالم… ؛ من جهة، يوجد تيار واقعي معتدل، يؤمن بالاندماج الوطني والعمل السلمي للإصلاح، ويرى في الاستقرار الوطني ضمانة لحقوق الطائفة… ؛  يقابله تيار ثوري متشدد، يتغذى على خطاب المقاومة والمظلومية، ويربط مصير الشيعة بشكل عضوي بمشروع النفوذ الإيراني تحت شعار ولاية الفقيه.

يُحذر بعض الكتاب الشيعة أنفسهم من أن الانسياق وراء الخطاب الطائفي الثوري الإيراني قد يلحق ضرراً جسيماً بمصالح الشيعة على المدى الطويل، ويعزلهم دولياً وإقليمياً، كما حدث في البحرين حيث تحولت معارضة وطنية مختلطة إلى حركة طائفية محاصرة.

*من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إن هذا السلوك يعكس أزمة في الوعي الجمعي، حيث تُعاد إنتاج منطق العصبية داخل الجماعة نفسها، ويُستبدل الصراع مع البُنى المهيمنة بصراع داخلي أقل كلفة على الخصم وأكثر تدميرًا للذات… ؛  وهنا ينجح العدو الخارجي بأقل جهد: لا يحتاج إلى جيوش ولا إلى صواريخ، بل يكفيه أن يشعل شرارة صغيرة، ليتكفّل الانقسام الداخلي بالباقي.

إن ما ينقص الشيعة اليوم ليس العدد، ولا التاريخ، ولا المظلومية، بل الوعي السياسي – الأخلاقي بخطورة الصراع الداخلي غير المنضبط… ؛  فالاختلاف، حين لا يُؤطَّر بالحكمة والعقل، يتحوّل من حالة صحية إلى فتنة، ومن نقاش إلى استنزاف ذاتي، ومن تعددية إلى انتحار جماعي بطيء.

وعليه، فإن السؤال الجوهري ليس: لماذا يعادي العالم الشيعة؟ بل: متى يدرك الشيعة أن أخطر أعدائهم هو كل فكر أو خطاب أو ممارسة تزرع الفتنة بينهم، مهما تلحّفت بالدين، أو تزيّنت بالشعارات، أو ادّعت تمثيل الحق المطلق؟ فبدون هذا الإدراك، سيبقى الخارج مستفيدًا، وسيبقى الداخل يدفع الثمن.

*خاتمة: الهوية بين المطرقة والسندان

يواجه الشيعة اليوم مأزقاً وجودياً حقيقياً… ؛ فهم محاصرون من الخارج بـ مطرقة الخوف الإقليمي منهم، الذي يختلط فيه السياسي بالمذهبي، ومن الداخل بـ سندان التمزق الذاتي، الذي يتحول فيه الاختلاف الطبيعي إلى حروب هويات فرعية… ؛ و الخلاص لا يكمن في انتظار زوال العداء الخارجي، فهو متجذر في مصالح عميقة… ؛  كما أنه لا يكمن في إنكار التعددية الداخلية، فهي واقع لا مفر منه… ؛ انما يكمن التحدي الحقيقي في بناء عقد داخلي شيعي جديد، يقوم على تحديد الأولويات بوضوح: فهل الأولوية هي الاندماج الوطني وبناء الدولة، أم الولاء الأيديولوجي العابر للحدود؟

وهل أدوات العمل هي الإصلاح السلمي والمشاركة المدنية، أم الخطاب الثوري المُوَلِّد للمزيد من المخاوف؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان العالم الشيعي قادراً على تحويل تنوعه من نقطة ضعف إلى مصدر قوة، أم أنه سيواصل تمزيق نفسه قبل أن يبدأ الآخرون.