رياض سعد
تم خلال هذه الايام من نهاية العام 2025 ؛ وبرعاية وزير الصحة الدكتور صالح الحسناوي، وبإشراف مباشر من المدير العام لدائرة الطب العدلي الدكتور زيد علي عباس، وبالتعاون مع مؤسسة الشهداء، تسليم رفات الشهداء – تسليم رفات 70 شهيداً من ضحايا مجزرة بادوش-بإجراءات مبسطة شملت إيصالها إلى ذويهم في المحافظات، مع التأكيد على استمرار العمل لإنهاء هذا الملف الإنساني.
هؤلاء ليسوا سوى جزء من نحو 670 سجيناً أعدموا عام 2014 على يد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، فيما تشير تقارير أممية إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يتجاوز الألف. هذه الجريمة، التي تشبه في وحشيتها مجزرة سجن “اسبايكر”، تكشف عن فصول مروعة من الإخفاق الحكومي والانقسام المجتمعي والهمجية الإرهابية.
لا نوائح ولا صوائح لهم، وكأن الصمت كُتب قدَرًا لضحاياٍ أُريد لهم أن يُمحَوا مرتين: مرةً حين أُعدموا، ومرةً حين أُهملت ذاكرتهم…!!
**الحدث: الانسحاب والتواطؤ والمجزرة
في يونيو 2014، وبعد سقوط مدينة الموصل بأيدي مسلحي تنظيم داعش، انسحبت القوات الأمنية العراقية المكلفة بحراسة سجن بادوش، تاركة وراءها مئات السجنين لقدرهم المظلم… ؛ لم يكن الانسحاب عشوائياً فحسب، بل يخفي تقصيراً قد يرقى إلى درجة التواطؤ… ؛ بسرعة، سيطر التنظيم الإرهابي على السجن، وبمساعدة من بعض العاملين فيه ومن سجناء وآهالي محليين، شرع في عملية “فرز” طائفي وعرقي ممنهجة… ؛ تم عزل السجناء من الطائفة الشيعية ومن مناطق وسط وجنوب العراق تحديداً.
**المجزرة: بين الرصاص والسكاكين والهاوية
شهدت الأيام التالية مشاهد وصفت بأنها “مذبحة”… ؛ نقل السجناء المعزولون إلى مناطق نائية، حيث تمت تصفيتهم جماعياً، رمياً بالرصاص أو ذبحاً بالسكاكين والسيوف … ؛ وتشهد روايات الناجين القلائل وعائلات الضحايا على وحشية فاقت الوصف… ؛ يُروى أن أحد السجناء الهاربين اتصل بأهله وهو يصف كيف أن “الدواعش والأهالي تكالبوا على السجناء الشيعة كأنهم غنيمة أو فريسة وسط ضباع جائعة”، لينقطع اتصاله أخيراً وهو يصرخ: “ها هم يركضون خلفي ويكبرون!”.
إلى أن انقطع صوته عند كلماته الأخيرة، وبقي مصيره مجهولًا حتى اليوم… ؛ هذه الشهادات ليست مجرد قصص فردية، بل وثائق إنسانية تُدين الصمت، وتُطالب بالحقيقة…
**السياق السياسي والاجتماعي: جروح لم تندمل
تكشف مجزرة بادوش عن طبقات متعددة من الأزمة العراقية:
- إخفاق الدولة وسياساتها الطائفية: كان إرسال المئات من السجناء، معظمهم من المحافظات الشيعية، إلى سجن في محافظة نينوى ذات الأغلبية السنية، وهي منطقة متوترة أمنياً حتى قبل سقوطها، قراراً غير مسؤول… ؛ و يشير هذا إلى سياسة إدارية قاصرة بل فئوية ، تجاهلت الأمن الوطني لحساب حسابات حزبية ضيقة… ؛ الجميع كان يعلم بان الموصل وقتذاك من المناطق الساخنة وغير الامنة ؛ ومع ذلك، استمرت السلطات آنذاك في نقل مئات السجناء إليها، من دون ضمانات حقيقية لحياتهم أو خطط طوارئ لحمايتهم.؛ والأشد إيلامًا أن ملف العدالة ما زال مفتوحًا على الإهمال… ؛ فحتى اللحظة، لم تُتخذ إجراءات كافية وجادة توازي حجم الجريمة، سواء على مستوى المحاسبة القضائية أو التعويضات العادلة أو الاعتراف الرسمي الكامل بحقوق الضحايا وذويهم… ؛ في حين تتسارع في مبادرات مصالحة مع فصائل وأفراد ارتبطوا بأفعال عنف وارهاب ؛ إن العدالة الانتقائية، أو تأجيل الإنصاف، لا تبني دولة، ولا تُرمم ثقة مجتمعٍ أنهكته المعارك والانقسامات والمجازر وجرائم الحرب .
2. التواطؤ المجتمعي والاستقطاب الطائفي: الروايات الموثقة، بما فيها تقارير منظمات حقوقية، تؤكد مشاركة عناصر من المجتمع المحلي (مدنيين) في عملية الفرز والملاحقة وحتى القتل… ؛ هذا يكشف عن عمق الانقسام الطائفي الذي استغله التنظيم الإرهابي ليحول جريمة منظمة إلى “غضب شعبي” مُوجّه… ؛ لقد تحول السجن من منشأة حكومية إلى ساحة انتقام طائفي، مما يضع جزءاً من المسؤولية الأخلاقية على عاتق من شارك أو سكت عن هذه الجريمة.
3. استمرار المعاناة وغياب العدالة: عائلات الضحايا تعيش مأساة مزدوجة: فقدان الأحبة، وصمت الدولة، واستمرار عدم معرفة مصير الكثيرين… ؛ ان تسليم رفات 70 شهيداً بعد سنوات طويلة هو تذكير مؤلم بأن العدالة الانتقالية في العراق ما زالت غائبة… ؛ إن الاعتراف الرسمي بالجريمة، ومساءلة المقصرين في أجهزة الدولة، وإجراء تحقيق نزيه حول دور المتواطئين المحليين، وإطلاق مشروع وطني لحصر جميع المفقودين، هي الحد الأدنى الواجب لبدء مسار للشفاء.
**خاتمة
مجزرة سجن بادوش ليست حادثة عابرة في سجل داعش الدموي فحسب، بل هي مرآة عاكسة لانهيار العقد الاجتماعي والسياسي في العراق… ؛ لقد اجتمعت فيها أخطاء الحكم، وسموم الطائفية، وهمجية الإرهاب، وصمت المجتمع الدولي… ؛ إن الاعتراف بهذه الحقيقة المركبة، ومواجهتها بشجاعة، هو السبيل الوحيد لضمان ألا تتكرر مثل هذه الفظائع… ؛ فدماء الضحايا الملقاة في حفر الموصل لن تندمل جروحها إلا بتحقيق عدالة حقيقية، وبناء دولة تحفظ لكل مواطن كرامته وأمنه، بغض النظر عن انتمائه.
لم تكن عمليات القتل الفوضى الوحيدة، بل لحقتها عملية إخفاء متعمد للجثث… ؛ ألقيت مئات الجثث في حفر عميقة ووديان، كـ “هاوية لا نهاية لها” كما وصفها شهود، مما عقد لاحقاً عملية استخراجها وتحديد هوياتها… ؛ حتى اليوم، توفر الفرق الطبية والمدنية صعوبات جمة في استعادة رفات الضحايا بسبب طبيعة التضاريس وعوامل التعرية، ولا يزال العشرات، بل المئات، في عداد المفقودين.
إن مجزرة سجن بادوش ليست ذكرى عابرة، بل اختبارٌ دائم لضمير الدولة والمجتمع… ؛ فهي تضعنا أمام سؤال جوهري: هل نتعامل مع الضحايا بوصفهم أرقامًا في أرشيف، أم بوصفهم مواطنين لهم حق الحياة والكرامة والإنصاف؟!
إن استعادة هذه الذاكرة، وتحريرها من التسييس والطائفية، هو الخطوة الأولى نحو عدالة حقيقية، وعدالة وحدها القادرة على منع تكرار المأساة، وصون ما تبقى من وطنٍ يستحق الحياة.