بقلم : خالد الغريباوي
في السياسة الدولية، أخطر ما يمكن أن ترتكبه قوة عظمى ليس استخدام القوة، بل سوء فهم حدودها. الخطاب الذي يروّج لإمكانية إسقاط إيران كما لو كانت حالة فنية سريعة يعكس عقلية شعبوية ترى الدول أهدافًا عسكرية لا كيانات سياسية. هذا المنطق، الذي يتعامل مع الحروب كاستعراض قوة لا كعملية سيطرة طويلة ومعقدة، يتجاهل حقيقة أساسية: ما يمكن فرضه على دولة ضعيفة ومفككة لا يمكن فرضه على قوة إقليمية متجذرة.
المدرسة الواقعية الكلاسيكية لهانز مورغنثاو تحذّر بوضوح من هذا الوهم. فالقوة، لكي تكون عقلانية، يجب أن تُقاس بنتائجها السياسية لا بضرباتها العسكرية. إسقاط إيران، وفق هذا المنظور، لا يعني إلحاق أذى عسكري بها، بل يعني تحمّل كلفة السيطرة على فضاء جغرافي وبشري وسياسي معقّد. هذه الكلفة تتجاوز بكثير أي مكسب استراتيجي محتمل، وتحول التفوق العسكري إلى عبء طويل الأمد على من يستخدمه.
جون ميرشايمر، من موقع الواقعية الهجومية، يذهب أبعد من ذلك. فالدول الكبرى، حتى عندما تمتلك تفوقًا ساحقًا، تتجنّب الحروب التي لا تضمن حسمًا سريعًا. إيران ليست دولة هامشية يمكن كسرها بضربة خاطفة، بل قوة إقليمية تمتلك عمقًا جغرافيًا واسعًا، بنية عسكرية لا مركزية، قدرات صاروخية متنوعة، وشبكة نفوذ إقليمي تجعل أي حرب ضدها متعددة الجبهات بطبيعتها. في مثل هذه الحالات، لا يعمل الزمن لصالح المهاجم، بل ضده.
هنا تصبح المقارنة مع فنزويلا كاشفة للخلل في التفكير. ما حدث هناك من تدخل سريع ونجاح محدود استند إلى ضعف الدولة، هشاشة مؤسساتها، وانكشافها الجغرافي والسياسي. كانت حالة استثنائية قابلة للاحتواء، لا نموذجًا قابلًا للتكرار. إيران تمثل النقيض الكامل: دولة متماسكة نسبيًا، ذات قدرات ردع غير متماثلة، وقادرة على توسيع ساحة الصراع إقليميًا بما يفوق قدرة أي طرف على التحكم بمساره.
التجارب العملية، ومنها حرب الأيام الاثني عشر، تؤكد هذه الحقيقة. الضربات المؤلمة لم تُنتج حسمًا، بل كشفت حدود القوة وأعادت تعريف الكلفة. الصمود السياسي والاجتماعي حوّل التفوق العسكري إلى مأزق استراتيجي، ودفع باتجاه الاحتواء بدل التصعيد. التدخلات اللاحقة لم تكن علامة ضعف، بل اعترافًا ضمنيًا بأن الاستمرار كان سيقود إلى خسائر أكبر دون نتيجة سياسية حاسمة.
الخلاصة أن منطق مورغنثاو وميرشايمر يلتقي عند نقطة واحدة: إيران لا يمكن إسقاطها بمنطق الحسم السريع ولا بنموذج فنزويلا. القوة تستطيع الإيلام، لكنها عاجزة عن فرض الاستسلام السياسي السريع على دولة تمتلك مقومات الصمود. الخطاب الذي يتجاهل هذه الحقيقة لا يعبّر عن ثقة بالقوة، بل عن وهم استراتيجي. وفي ميزان الواقع الراهن، إيران قد تُستهدف وتُستنزف، لكنها لا تُسقط بهذه الطريقة.