سوريا بعد الاسد : محاور النفوذ وتداعيات الأمن الإقليمي

رياض سعد

تشير التطورات الجارية في المشهد السوري، بتحليل موضوعي، إلى تحول البلاد إلى مجالٍ لتأثير قوى إقليمية ودولية متعددة، تتنافس على تشكيل خارطة الواقع الجيوسياسي… ؛  ويمكن رصد محورين رئيسين لهذا النفوذ، لكل منهما أدواته واستراتيجياته الخاصة... ؛  فالأحداث الجارية في الساحة السورية تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ سوريا باتت واقعة بين تأثيرين متناقضين في الشكل، متكاملين في النتائج، وكلاهما أشد مرارة من الآخر.

ولم تعد الأزمة السورية شأناً داخلياً معزولاً، ولا صراعاً يمكن احتواؤه داخل حدود دولة أنهكها الاقتتال، بل تحوّلت ؛ بفعل تداخل المصالح الإقليمية والدولية، إلى مصدر تهديد مباشر لدول الجوار، وفي مقدمتها العراق، ولا سيما مكوّنه الشيعي الذي كان ولا يزال الهدف الأبرز لمشاريع التكفير والفوضى المنظمة… ؛  فالمشهد السوري الراهن يكشف بوضوح أنّ البلاد عالقة بين محورين متناقضين في الخطاب، متكاملين في الوظيفة، وكلاهما يسهم في إنتاج الخطر وتصديره.

نعم ؛ بينما لا تزال أرض الشام تئن تحت وطأة الصراعات، وتتشظى هويتها بين مطارق النفوذ الخارجي وسندان التنافرات الداخلية، تطلُّ نيران هذا الجحيم المُستعر بشُعلها على جارتها العراق، لتُذكي أزماتها وتستهدف مقومات أمنها الوطني في الصميم… ؛  لقد تجاوزت التبعاتُ الحدودَ الجغرافية لتصبح سوريا -للأسف- رهينة لصراعٍ معقد، تحوَّلت بموجبه إلى حقل تجارب لإرادات متنافرة، ومرتعٍ خصيب لكل أشكال التطرف والاجتثاث الاجتماعي.

التأثير أو المحور الأول يتمثل بالمحور التركي ـ القطري، الذي يتقاطع ظاهرياً مع مشروع بعض الجماعات السلفية والوهابية والتكفيرية كداعش وما شابهها … ؛ فرغم ما يُظهِره هذا المحور أحياناً من خلافات شكلية أو تكتيكية بين هذه الجماعات، فإنّ الواقع الميداني يكشف أنّ تنظيم داعش كان ولا يزال يحظى برعاية تركية مباشرة أو غير مباشرة، كما أنّ الحركات السلفية الجهادية وجدت في قطر حاضنة سياسية ومالية، مهما حاولت تلك الأطراف إنكار ذلك أو التمايز الإعلامي عنه… ؛  أما ما يُسمّى بحكومة الجولاني وجبهة النصرة سابقاً، فليستا سوى امتدادٍ طبيعي لهذا المسار، إذ ترعرعتا من المصدر الفكري ذاته، وتغذّتا من الرعاة أنفسهم، مهما اختلفت التسميات وتبدّلت الواجهات... ؛ مما يجعلها في النهاية جزءاً من معادلة نفوذ واحدة وإن تعددت ألوانها.

أما المحور الثاني، فهو المحور الأميركي ـ الصهيوني الذي يعمل وفق رؤية جيوسراتيجية تهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة ، فهو يتعامل مع سوريا بوصفها ساحة اختبار وإعادة تشكيل، لا دولة ذات سيادة… ؛  هذا المحور لا يعنيه من يحكم دمشق بقدر ما يعنيه استمرار النزيف، واستدامة التفكك، وتحويل سوريا إلى بؤرة استنزاف دائم لجوارها… ؛  ومن هنا يلتقي المحوران، رغم تناقضهما الظاهري، عند نقطة واحدة: افشال مشروع الهلال الشيعي , وزرع القلاقل في المنطقة , وتمدد اسرائيل , و إضعاف العراق، وضرب استقراره، واستنزاف نسيجه الاجتماعي، ولا سيما عبر استهداف شيعة العراق الذين شكّلوا تاريخياً العقبة الكبرى أمام مشاريع الهيمنة والتكفير , فضلا عن إضعاف الكيانات الوطنية والانظمة السياسية وزيادة التبعثر الإقليمي.

ولا شكّ أنّ أيّ ضرر يصيب العراق، أو يمسّ وحدته الاجتماعية والأمنية، قد يصبّ في مصلحة هذين التأثيرين معاً، رغم تناقض شعاراتهما الظاهرية، لأنّ النتيجة النهائية واحدة: إضعاف دول المنطقة، وتمزيق نسيجها الداخلي، وتحويلها إلى ساحات مفتوحة للصراع والابتزاز.

نعم , لقد تحوّلت سوريا، بفعل هذا التشابك الخطير، إلى مركز لتصدير الإرهاب والجريمة المنظمة، وإلى مخزن مفتوح للعناصر المتطرفة من مختلف الجنسيات… ؛  وما يزيد القلق هو أنّ هذه العناصر لا تتحرّك عشوائياً، بل ضمن سياقات مدروسة، تُفعَّل عند الحاجة، وتُعاد توجيهها نحو الساحات الهشّة… ؛  والعراق، بحكم الجغرافيا والتداخل الاجتماعي والحدود الطويلة، يبقى الهدف الأسهل والأكثر إغراءً.

ونتيجة لهذا التداخل المعقد، تحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب عالمية وإقليمية، وغدت مسرحاً ليس فقط للإرهاب والجريمة المنظمة عبر الحدود، بل أيضاً لصراعات بالوكالة تعيد إنتاج الانقسامات الطائفية والقومية والعنصرية ؛ اذ اصبحت بؤرة مفتوحة للصراعات الطائفية والعرقية والمناطقية والقومية… ؛  وهذه الصراعات لا يُراد لها أن تبقى محصورة داخل الجغرافيا السورية، بل يُخطط لها أن تتمدد إلى دول الجوار، وفي مقدمتها العراق … ؛  واضحت مركزا متقدما لارهاب العابر للحدود والتآمر الخارجي , مع مخاطر حقيقية لتصدير هذه الصراعات إلى دول الجوار كما اسلفنا .

وهكذا، لم تعد سوريا مجرد دولة جارة تمر بأزمة، بل تحولت إلى “مصنع للإرهاب” يصدر أزماته بطريقتين: الأولى، عبر تصدير التنظيمات المتطرفة وعقليتها التكفيرية التي تسعى لإقامة “دولة الخلافة” على أنقاض الدول الوطنية، وتهدد كل من يخالفها فكراً ومذهباً… ؛  والثانية، والأكثر خُبثاً، عبر تصدير “اللاجئين المزروعين” أو ما يمكن تسميتهم “جيش طروادة المعاصر”… ؛ فاذا فتحت غطاء المأساة الإنسانية والنزوح، يمكن بسهولة دس آلاف العناصر الموالية لهذه التنظيمات أو المتعاطفة معها بين صفوف النازحين، ليشكلوا خلايا نائمة وجسوراً للمخابرات المعادية داخل العمق العراقي.

ولنا في التاريخ عبرة: ألم تُستخدم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في السابق كقواعد لانطلاق العمليات المسلحة، مما دفع دولاً مثل الأردن ولبنان إلى حروب أهلية؟

ألم يُجند بعض اللاجئين الأفغان في إيران خلال حرب ال 12 يوما ؟

ها هو ذا الدرس يتكرر… ؛  فالإفراج المتعمد عن آلاف السجناء المتطرفين من مختلف الجنسيات من سجون “قسد”، وتسارع تحركات فصائل مثل “هيئة تحرير الشام” واستقطابها للعشائر السنية المتذمرة بالقرب من الحدود العراقية، كلها مؤشرات خطيرة على أن عاصفة جديدة تُحاك، وأن العراق هو الهدف المقبل... .

فالخطر هنا مُزدوج: فهو خطر عسكري أمني متمثل في تسلل القتلة والانتحاريين، وهو خطر اجتماعي ديموغرافي يتمثل في تغيير التركيبة السكانية للمناطق الحدودية والمدن العراقية، وزرع بؤر توتر طائفية وقومية جديدة كما اسلفنا … ؛  وهذا يستهدف بشكل صريح قلب العراق وتماسكه، ويهدد مكونه الشيعي الذي يشكل عماد الدولة الوطنية الحالية.

لذلك، فإن الدعوة إلى اليقظة والحزم ليست رفاهية سياسية، بل هي واجب وطني وجودي…؛  فكما أن الجسد يرفض بغريزة دخول الشوكة إلى لحمة، على الجسم العراقي أن يتحصّن. وهذا يتطلب:

1. مراجعة جذرية وشاملة لملف النازحين السوريين في العراق، وفصل الحبة عن الزؤان، وترحيل كل من يشكل تهديداً.

2. إغلاق الحدود بشكل حاسم أمام أي تدفق جديد، إلا عبر قنوات رسمية مضبوطة تخضع لرقابة أمنية صارمة.

3. رفض أي ضغوط دولية لاستقبال موجات نزوح جديدة تحت أي حجة، فالكرم يجب ألا يكون على حساب الأمن.

4. تضافر جهود الإعلام والمثقفين والمراجع الدينية لفضح هذه المخططات وتعبئة الرأي العام لحماية الوطن.

وبناءً على هذه التحليلات السياسية والتقارير الامنية ، يرى دعاة هذا المنظور أن الحالة تتطلب موقفاً أمنياً حازماً من قبل الدولة العراقية لحماية سيادتها الوطنية… ؛  ويطالبون بتبني إجراءات استباقية صارمة، ويستشهدون بتجارب دول إقليمية، مثل مصر في تعاملها مع ملف اللجوء الفلسطيني تاريخياً، أو إيران في تعاملها مع اللاجئين الأفغان كما اسلفنا ، كمبرر لضرورة وضع الاعتبارات الأمنية الوطنية في مقدمة الأولويات.

ومن هنا، فإنّ حالة التراخي والتقاعس في أداء الواجب الوطني، ولا سيما في ملف أمن الوطن والمواطن، لم تعد مقبولة أو مبررة… ؛ وقد قلناها ونكررها للمرة الألف: إنّ حماية العراق وسيادته واستقراره تتطلب موقفاً حازماً وواضحاً، تشترك فيه الدولة والمجتمع على حد سواء. ويقتضي ذلك، وفق هذه الرؤية، اتخاذ جملة من الإجراءات الصارمة، في مقدمتها إعادة النظر بوجود الجالية السورية داخل العراق، وتسريع تنظيم هذا الملف بما يضمن الأمن الوطني أولاً، وغلق الحدود بصورة كاملة وحاسمة ثانياً، وعدم استقبال مجاميع جديدة تحت عناوين التهجير أو اللجوء ما لم تتوفر ضمانات أمنية صارمة ثالثاً, كما اسلفنا .

ختاماً، يدعو هذا التوجه إلى حشد الرأي العام والدوائر السياسية والإعلامية للضغط من أجل تبني سياسة أمنية واضحة وحاسمة إزاء هذا الملف، الذي يرونه يمثل تهديداً استراتيجياً مباشراً للكيان العراقي واستقراره الداخلي.

وانطلاقاً من كل ما تقدم، نهيب بالإخوة الكتّاب والإعلاميين والصحفيين والسياسيين والناشطين الوطنيين أن يضطلعوا بدورهم المسؤول في تسليط الضوء على خطورة هذا الملف، والدعوة الجادة إلى معالجته، والضغط المشروع على الحكومة العراقية لاتخاذ قرارات حاسمة تُغلق هذا الجرح المفتوح، الذي بات يشبه سكيناً مغروسة في خاصرة الوطن، قبل أن يتفاقم النزف ويصعب احتواؤه... .

فالعراق الذي عانى من داعش وأذاقته حرب طائفية مريرة، لا يتحمل جولة جديدة من التمزق تُدخل من خلال النافذة ما خرج من الباب… ؛  إنها معركة مصير، وكما قال الإمام علي : “من نام لم ينم عنه”… ؛  فلننتبه قبل فوات الأوان، ولنضرب بيد من حديد على كل يد تمتد من خلف الحدود لتعبث بأمن هذا الوطن واستقرار أبنائه.

من هنا، فإنّ التعاطي مع الخطر السوري لا يجوز أن يبقى أسير المجاملات السياسية أو الحسابات الضيقة… ؛ فالمطلوب رؤية وطنية صريحة تضع أمن العراق فوق أي اعتبار، وتتعامل مع الواقع كما هو لا كما يُراد له أن يُسوَّق إعلامياً.