نظرة عوراء، نعيم الخفاجي
يعاني العالم العربي والإسلامي من مشكلة حقيقية، عدم الاعتراف بالأخطاء، وعدم انصاف المظلوم المضطهد دينيا وقوميا ومذهبيا وقبليا، كأن أبناء الأمة تواصوا جيل بعد جيل في استمرار قمع أبناء الاقليات والاكثريات، وتزوير وقائع الأحداث، ولنا بجرائم صدام بحكمه أو بحقبة سنوات الإرهاب خلال ال ٢٣ سنة الماضية التي تلت سقوط نظام المجرم.
لولا الصراعات القومية والمذهبية والدينية لما سالت دماء ملايين الابرياء بالعراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان وووو……الخ، مبعوث أبو ايفانكا لسوريا ولبنان توم براك قال ان المنطقة للقبائل، وفرضت عليهم حدود، كلامه دليل أن لديه وصفة طبية، يريد أن يجربها، هذه الوصفة حتى لو كانت مضرة وتسبب بوفاة المرضى، فهو لايهمه، الذي يهمه نجاح خطته التي رسمتها ووضعتها مراكز دراساتهم الاستراتيجية.
نفاق الإعلام بالشرق الأوسط كثير لايعد ولايحصى، أطلقوا تسمية الحرس الوثني على الحرس الوطني العراقي الذي تشكل بعد فرار زعيم الأمة من بغداد لحفرة الجرذان، وضبطته القوات الأمريكية ومعهم بعض العراقيين من ضحاياه بحفرة الجرذان، وخرج بمنظر يرثى له، قذر كث اللحية، بحقبة جريمة داعش، كتب آلاف المغردين تغريدات تغنوا أن داعش أباد الشيعة، وكأن الشيعة بشر لايستحقون الحياة، شعوب العالم العربي الإسلامي يغلب عليهم التعصب والتطرف.
الجيش العراقي يضم ثلث أو أكثر من الثلث ضباط وجنود سنة، وزير الدفاع سني، ويتخذ قرارات أحال الكثير من الضباط الشيعة على التقاعد من المفصولين سياسيا بحجج أن الجيش يحتاج ضباط من رتبة ملازم إلى رائد، ومن مقدم فما فوق يحال على التقاعد، ورغم ذلك نفذت قراراته ولم يعترض عليه أحد، وهذا دليل ان وزير الدفاع العراقي ينفذ ما هو يراه مناسب، وقراراته محترمة من الشيعة، يوجد بالجيش العراقي، جزء كبير من الضباط والمراتب من أبناء المكون الكوردي ويضم الجيش ضباط ومراتب شيعة، بل وحتى من أبناء الاقليات العراقية يوجد لهم بالجيش العراقي ضباط ومراتب، وهذا شيء ممتاز، وكل هذا التنوع، تجد الإعلام البعثي والاخواني السلفي، يطلقون تسمية الفرس والصفوين على الجيش العراقي، لننظر إلى الوضع السوري الحالي، من يحكم سوريا جبهة النصرة التي غيرت اسمها إلى جبهة تحرير الشام، تضم فصائل جهادية تكفيرية، بل تم طرد آلاف من الضباط السوريين من الجيش الحر وهم سنة، ولم يتم اشراكهم في تأسيس الجيش السوري الجديد، نتنياهو دمر كل أسلحة الجيش السوري البرية والبحرية والجوية، وابو محمد الجولاني جعل من العصابات الجهادية هم قادة وضباط وأفراد الجيش السوري الجديد.
الإعلام العربي والإسلامي يعرف الحقيقة المؤلمة أن الموجود ليس جيش سوري، وإنما فصائل جهادية تكفيرية، ذبحت العلويين والدروز بالعلن، ولدى هجومهم على قسد، بثوا مقاطع فيديوهات قتلوا مواطنين أكراد، بل عبثوا في المقابر، وحطموا قبور الشهداء الكورد السوريين، من النادر تجد القنوات الفضائية العربية والإسلامية تقول الحقيقة المؤلمة، أن سوريا خلصت من نظام بعثي وحل محله نظام أشد ظلما( أمير تنظيم قاعدة أصبح رئيسا لسوريا خلفا لبشار الاسد).
يوجد مثقف مصري وحيد في مواقع التواصل الاجتماعي يتكلم بواقعية عن جرائم المجاميع التكفيرية، هذا المثقف كان قيادي إخواني سلفي، لكنه راجع مواقفه وانتهج نهج جديد، اعتنق الإنسانية بدل التكفير، هذا الأخ المصري هو المفكر سامح عسكر، نشر مقال جريء بصفحته في منصة x تطرق الى حقيقة مايعرف بالجيش السوري الحالي هذا نصه( لم تعد سوريا كما كانت، دعونا نتكلم بوضوح، ما يسمى الجيش السوري الجديد ليس جيشا وطنيا، بل جيش طائفي مذهبي سني عربي لا يتواجد به (مسيحيون – دروز – علويون – إسماعيليون – إثنى عشرية – أكراد) وهم الطيف الذي يمثل 40% من سكان سوريا تقريبا.
هذا الجيش السوري الجديد هو خليط من مئات الميليشيات الجهادية، والفصائل الموالية لتركيا، والقبائل العربية، والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة والإخوان المسلمين، والمقاتلين الأجانب، ومعظمهم من آسيا الوسطى.
وزير الأوقاف السوري تكفيري جهادي أصدر بيانا كفر فيه الأكراد وأباح دمائهم ووصف عمليات الجيش السوري هناك (بالفتوحات) وهو تسمية جهادية لمعاركهم تيمنا بحروب الصحابة في القرن 7 م
هذا تفسير لمعارك هذا الجيش الطائفية حاليا ضد الأقليات الدينية والعرقية،نتيجة سعت إليها الدول الخليجية التي أشعلت ثورة سوريا المسلحة، وكانت على وشك تكرار نفس الشئ في العراق لولا انتفاضة الأغلبية الشيعية الدينية المعروفة بفتوى الجهاد الكفائي.
يعتمد الجولاني الآن على تجنيد أبناء القبائل العربية البدوية لتشكيل الجيش الجديد بعد توقف (تجنيد الأجانب) و خروج (الأقليات) من الجيش القديم.
الفصائل الموالية لتركيا هي التي تحكم هذا الجيش السوري الجديد ولا تخرج عن طوع وزارة الدفاع التركية وحماية أردوغان، سوريا هي بذرة توسعية لامبراطورية عثمانية جديدة تجمع بين (الخلافة الدينية) و (القومية الطورانية) وهي تهدف للوصول إلى حكم شمال العراق وغرب ايران ولبنان و مصر والأردن.
كانت إسرائيل عقبة أمام هذا التوسع يجري حاليا تحييدها باتفاق أمني وتطبيع شامل بين الجولاني ونتنياهو، وسينفذ النظام السوري كل طلبات إسرائيل من التنازل عن الجولان وجبل الشيخ وحكم ذاتي للسويداء وتحويل جنوب سوريا لمنطقة منزوعة السلاح.
جيش الخلافة العثمانية الجديد – السوري سابقا – يسعى حاليا للتخلص من الأكراد، والقضاء تماما على أي قوة عسكرية لهم، ولأن الكورد كانوا مدعومين أمريكيا تم شراء ترامب ببيع النفط السوري شرق الفرات، وسيطرة الشركات الأمريكية على هذا النفط بديلا عن شركات التحالف الدولي.
نجحت تركيا في تحييد إسرائيل وأمريكا أكبر قوتين يمنعان أحلامهم بالسيطرة على كامل التراب السوري.
الاتفاق الثلاثي بين (تركيا إسرائيل أمريكا ) نجح في إقناع العراق باستقبال مساجين داعش بديلا عن سوريا، تمهيدا لضرب العراق من الداخل وتهريبهم في حال قاوم العراقيون المد العثماني الطوراني القادم، وسيتم استقبال هؤلاء الدواعش في محافظات الوسط والجنوب معقل الطائفة الشيعية الأغلبية.
الشرق الأوسط يعود تدريجيا لأجواء عام 2011 وحروب العصابات الجهادية والمجازر الدينية والقومية، ولم يتكيف الجيش السوري الجديد مع متطلبات العصر الحديث كالمواطنة وحقوق الإنسان، ولا زال عناصره يعيشون في العصور الوسطى تحت وطأة الشريعة الإسلامية وأحلام دولة الخلافة.
ترامب كارثة على الشرق الأوسط لأنه سمح بسياساته الحمقاء العودة لنقطة الصفر، وإرجاع سوريا والمنطقة إلى الخلف، ولا زال بعض العرب يدعم هذا التحول الكارثي لسوريا انتقاما من فقط إيران ولا يدركون عواقب هذا التحول على الأمن القومي العربي.
سوريا حاليا دولة فاقدة السيادة، ذراع تركي عثماني، منهوبة نفطها، جنوبها ملك لإسرائيل، شعبها منقسم طائفيا وعرقيا، دستورها وقوانينها مذهبية، السيادة فيها للعرب السنة حصريا، والسلفيون بالخصوص ويجري استبعاد من يؤمن بأفكار علمانية أو صوفية، وشيئا فشيئا تتحول الدولة لكيان جهادي توسعي خطير على الجيران.
أما الأقليات السورية التي هي أكبر الخاسرين مما يحدث، فهي تعيش محنة عظيمة نتيجة اجتماع قوى إقليمية ودولية ضدها لها مصالح مع تركيا وعصابات الجولاني الحاكمة، وليس لديها خيار سوى الصمت والتقية مؤقتا لحين تبدل الأوضاع وعودة الدولة لطابعها المدني.
أما النظام السوري الجديد فعوامل فنائه موجودة بداخله
فهو كيان سياسي لا يؤمن بالتسامح الديني والعرقي، ولا يترجم ذلك بقوانين عملية وسياسات راشدة توفر نوعا من الهدوء، ووفقا للمادية الجدلية تلك العوامل تتحول لنقاط اشتعال سريعة، وبؤر توتر لا تهدأ، وعند كل لحظة اشتعال لها تخسر حليفا أو صديقا، والأهم أنها تعطي فرصة لخصوم متربصين ينتظرون لحظة الانقضاض..).
انتهى مقال الاستاذ المفكر المصري سامح عسكر، واقع مرير تعيشه شعوب الشرق الاوسط، مع خالص التحية والتقدير.
نعيم عاتي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل.
25/1/2026