بين «قذائف العماد لحود» و«صمت القصور»: حين تُستباح السيادة ويُغتال حق الدفاع
عدنان علامة – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
شتّان بين زمنٍ كانت فيه المدافع لغة الدولة، وزمنٍ باتت فيه السيادة بندًا مؤجّلًا في بيانات دبلوماسية خاوية. لم تعد المقارنة بين عهد العماد إميل لحود والواقع الراهن ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وصرخة بوجه نهجٍ استبدل الردع بالاستسلام المقنّع، وحوّل الدم اللبناني إلى أرقام بلا كرامة.
#مدرسةالعماد لحود: «النار بالداخل… والسيادة على المرابض»
في عهد العماد إميل لحود، لم تكن السيادة مادة للتفاوض أو التسوّل. حين قصف الاحتلال مواقع الجيش بخمس عشرة قذيفة، لم ينتظر لحود تقارير «اليونيفيل» ولا وساطات الليل؛ أصدر أمره التاريخي: أطلقوا خمسًا وعشرين قذيفة. كانت الرسالة صارخة: الدولة تحمي، والجيش يردع، والاعتداء على العسكريين اعتداء على قلب الوطن.
ذلك النهج جسّد المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: حق الدفاع المشروع عن النفس. حق مارسه لحود بلا تردّد ولا مواربة، فكانت الهيبة تُصان بالفعل لا بالبيانات.
#الواقع الراهن: التفاخر بعدم الرد، واستباحة الدم
اليوم، صُدم الوجدان الوطني بخطاب رسمي يفتقر لأبسط مقومات السيادة. رئيس يتباهى أمام العالم بأنه «لم تُطلق رصاصة واحدة من لبنان»، فيما العدو يستبيح الأرض والناس والمنازل، ويحوّل وقف إطلاق النار إلى غطاءٍ لمزيد من العدوان.
#جريمة «البيجر»:
هجوم سيبراني إرهابي استهدف آلاف اللبنانيين، بينهم مدنيون في مواقع إدارية وتواصلية. هؤلاء «أشخاص محميون» وفق القانون الدولي الإنساني، ومع ذلك مرّت الجريمة بلا ردّ يوازي حجمها.
#جرائم حرب موصوفة: إغتيال أفراد محميين، تفجير منازل وتدمير ممتلكات مدنية حتى بعد اتفاقات وقف النار، في انتهاك فاضح لاتفاقية جنيف الرابعة. جرائم لا تسقط بالتقادم.
#مصيلح نموذجًا: تدمير ورشة معدات ثقيلة مدنية صِرفة. لا ملف تقني، لا دعوى، لا مساءلة. صمتٌ يُكافئ الجريمة.
#شكوى يتيمة… وملفات فارغة
بدل بناء استراتيجية وطنية للمحاسبة، اكتفت السلطة بشكوى هزيلة إلى مجلس الأمن، انتهت ببيان صحفي. لم تُرفع دعوى إلى محكمة العدل الدولية، ولا إلى المحكمة الجنائية الدولية.
هروبٌ من المسؤولية وتنازلٌ طوعي عن حقوق كفلها القانون الدولي.
التفاخر بالصمت أمام أكثر من 12 ألف اعتداء ليس حكمة، بل تفريطٌ بالأمانة الوطنية.
#المقارنة الصادمة: الردع مقابل الانكفاء
في عهد العماد لحود: القذيفة بالقذيفة (25 مقابل 15). كرامة الجيش خط أحمر.
اليوم: التباهي بعدم إطلاق رصاصة واحدة.
آنذاك: تفعيل حق الدفاع المشروع والحماية القانونية.
اليوم: شكاوى ورق بلا أسنان، وجرائم بلا ملاحقة.
#أمريكا تتخلّى عن حلفائها عند أول منعطف
على السلطة أن تتعلم وتأخذ العِبَر من التاريخ القريب:
#مصر ومبارك: قالها صراحة: «المتغطّي بالأمريكان عريان». رفض إملاءات واشنطن بتخصيص 6500 كلم٢ ( وطن بديل /غزة الكبرى في سيناء)، وقاعدة أمريكية، فكان العقاب إغتيال الرئيس مبارك سياسيًا .
#الأفغان المتعاملون مع واشنطن (2021): تُركوا على مدارج كابول، وعودٌ تبخّرت في ساعات.
#قسد (يناير 2026): إعلان انتهاء «صلاحية التحالف»، ودعم أمريكي صريح لعمليات الجيش السوري ضدها. المال والنفط لا يصنعان وفاءً.
فمن ينام على حرير الوعود الأمريكية، سيستيقظ عاريًا عند أول إختبار فلا أمان للغدًار ترامب الذي يرى في جنوب لبنان منطقة إستثمارية.
#تهديد الوجود اللبناني: تصريحات توم باراك
تصريحات الموفد الأمريكي توم باراك ليست زلّات لسان:
يوليو 2025: «لبنان قد يعود بلاد الشام… السوريون يقولون إن لبنان منتجعنا الساحلي».
ديسمبر 2025: «يجب جمع سوريا ولبنان معًا لأنهما حضارة واحدة».
فهذه لغة تهديد وجودي. ومع ذلك، لم تُستدعَ الحكومة، ولم يُحاسَب الموفد، فيما يُصرّ الداخل الرسمي على سحب سلاح المقاومة رغم استمرار العدوان وإصراره على البقاء في عدة مواقع إستراتيجية إحتلها بعد التوقيع على وقف إطلاق النار.
#إسرائيل الكبرى… والمخطط المُعلن
23 أيلول 2023: في الأمم المتحدة، رفع نتنياهو خريطة تُلغي الضفة وغزة والقدس. وتغريدة لاحقة تُبشّر بالقتال من أجل «إسرائيل».
كان ذلك إعلان نوايا عدوانية صريحة، سبقها الفلسطينيون بعمل استباقي في «طوفان الأقصى». ومع ذلك، يُطلب من لبنان الصمت ونزع أدوات ردعه.
10 آب 2025: نتنياهو يتحدث عن «مهمة تاريخية وروحية» مرتبطة بـ«إسرائيل الكبرى».
#الرئيس لحود… حين قيل «لا» لأمريكا
حين طلبت مادلين أولبرايت من الرئيس لحود إصدار بيان يُقرّ بانسحاب إسرائيل وفق القرار 425، رفض الرئيس لحود، وأكّد أن الانسحاب لم يكتمل. وحين لوّحت بمكانتها، أنهى المكالمة لأنه «يريد أن ينام». دولة تقول «لا» بلا إرتجاف.
واليوم، تُقرّ «ورقة الأهداف الأمريكية» في مجلس الوزراء، متضمّنة بند نزع سلاح المقاومة، بينما تعجز الدولة عن حماية شعبها وسيادتها. وهذه سابقة خطيرة في تخلي الدولة عن مهامها في حماية سيادة لبنان والدفاع عن شعبه.
#فمتى سيستعيد لبنان نبضه؟
الفرق بين الأمس واليوم؛ هو الفرق بين دولة تفرض هيبتها بالفعل، وسلطة تستجدي الأمن من الجلاد بوساطة أمريكية غير نزيهة.
فلا تُحمى الأوطان بشكاوى ورق، بل بإرادة ردع، وباستراتيجية قانونية وسياسية وعسكرية متكاملة.
التاريخ علّمنا: من لا يدافع عن أرضه، يفتح الباب للعدو كي يدخلها… ويستبيح كل شيء، حتى الكرامة.
وإنّ غدّا لناظره قريب
25 كانون الثاني/ يناير 2026