✍️ : خالد الغريباوي
لم تعد معركة تشكيل الحكومة العراقية المقبلة سياسية داخلية بل تحولت إلى صراع بين منطق المال العالمي ومنطق السلاح المحلي حيث تستخدم واشنطن لأول مرة سلاح الدولار بشكل مباشر للضغط على شكل السلطة في بغداد في رسالة واضحة أن الحكومة التي تضم شخصيات قريبة من الفصائل المسلحة ستُعامل كتهديد للنظام المالي الدولي وإذا أصر الإطار التنسيقي على هذا المسار فإن السيناريو الأميركي سيبدأ بتشديد الرقابة على التحويلات وتقييد الوصول إلى عوائد النفط وقد يتطور إلى صدمة نقدية ترفع سعر الدولار وتضرب الرواتب وتشل الدولة تدريجياً بينما أي محاولة لمواجهة واشنطن سياسياً ستفتح الباب أمام عقوبات واسعة وإعادة هندسة المشهد السياسي عبر الضغط الاقتصادي والاجتماعي وفي المقابل فإن خيار التكيّف البراغماتي عبر إبعاد الشخصيات الحساسة سيجنب العراق أزمة مالية فورية لكنه سيدخل البلاد في مرحلة ابتزاز سياسي متصاعد تجعل السيادة مرهونة بالنظام المالي العالمي وأمام الإطار التنسيقي ثلاثة بدائل رئيسية أولها التكيّف البراغماتي عبر تقديم حكومة مقبولة دولياً مع الحفاظ على النفوذ خلف الكواليس وثانيها المناورة المزدوجة عبر خطاب سيادي داخلي مع التزام عملي بالخطوط الحمراء الأميركية وهو خيار يشتري وقتاً دون الخروج من دائرة الضغط وثالثها المواجهة المفتوحة عبر فرض حكومة محسوبة على محور المقاومة والبحث عن بدائل للدولار عبر الصين وروسيا وإيران لكنه مسار عالي المخاطر قد يقود إلى صدمة اقتصادية وانقسام داخلي خطير والحل الواقعي للعراق ليس في الخضوع الكامل ولا في المواجهة الانتحارية بل في إعادة تعريف السيادة كقدرة اقتصادية ومؤسسية عبر تشكيل حكومة غير خاضعة للعقوبات إصلاح النظام المصرفي فصل الاقتصاد عن الفصائل بناء احتياطات مالية مستقلة وتقليل الاعتماد على الدولار دون كسر النظام المالي العالمي لأن العراق لا يستطيع خوض حرب مالية مع واشنطن لكنه يستطيع تقليص أدوات ابتزازها عبر دولة قوية واقتصاد متنوع وهكذا يقف العراق أمام معادلة تاريخية قاسية هل تحكم بغداد بمنطق السلاح أم بمنطق الدولار لأن الحقيقة الجديدة أن الدولار لم يعد عملة بل أداة سيادة تعيد رسم ميزان القوة داخل الدولة العراقية وإذا استمرت هذه المعادلة دون بناء دولة اقتصادية حقيقية فإن العراق بين 2026 و2030 قد يدخل مرحلة انتقال قسري في توازنات السلطة حيث ستتحول الضغوط المالية إلى أداة لإعادة تشكيل النخب السياسية وتفكيك مراكز النفوذ التقليدية وربما إنتاج طبقة حكم جديدة أكثر ارتباطاً بالمنظومة المالية العالمية ما لم تنجح القوى السياسية الحالية في بناء سيادة اقتصادية تجعل القرار السياسي نابعاً من قوة الدولة لا من شروط الدولار ولا من فائض السلاح.