ترامب يقسم امريكا

ترامب يُقسّم أمريكا

كتب رياض الفرطوسي

ليس السؤال الحقيقي عمّا إذا كانت سياسات دونالد ترامب صائبة أم خاطئة، فهذه صيغة كسولة للسؤال في بلد لا يحكمه المزاج ولا تُدار فيه الدولة بالتصفيق أو الاستهجان. السؤال الأدق هو: كيف يُقاس الحكم؟ ومن يملكه؟

في التجربة الأمريكية، لا تُمنح الشرعية عبر المقالات ولا تُسحب عبر المظاهرات وحدها. الشرعية هناك رقمٌ بارد، يُستخرج من صندوق اقتراع، بلا خطابة ولا عواطف. دونالد ترامب، في ولايته الثانية، يقف اليوم في منتصف الطريق بين وعد انتخابي لم يكتمل، وحساب سياسي لم يُفتح بعد.

ترامب لا يحكم أمريكا موحَّدة. هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان. هو رئيس يُثير الحماسة بقدر ما يستدعي القلق، يوقظ الغرائز القديمة في المجتمع الأمريكي، ويضغط على خطوط الصدع العرقية والاقتصادية والثقافية حتى تسمع البلاد طقطقتها. مع ذلك، فكل هذا الضجيج لا يُعد حكماً نهائياً، بل مجرد مقدمة.

الحكم الفعلي سيأتي من المكان الوحيد الذي لا يرفع لافتات ولا يصرخ: الانتخابات النصفية. هناك، حيث يُعاد توزيع نصف مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، سيتحول الرأي إلى قرار، والانقسام إلى أرقام. إما أن يمنح الناخب الأمريكي الحزب الجمهوري مزيداً من النفوذ، فيُقرأ ذلك كتصديقٍ على نهج ترامب، أو يسحب البساط التشريعي من تحته، فيكون العقاب سياسياً لا أخلاقياً.

في الولايات المتحدة، لا يُحاسَب الرئيس وحده، بل يُحاسَب حزبه معه. ترامب يعرف هذا جيداً، ولذلك يخوض معركته وكأنها استفتاء شخصي مؤجل. الديمقراطيون من جهتهم لا يواجهون رجلًا فقط، بل ظاهرة سياسية تعيش على الاستقطاب، وتزداد قوة كلما ازداد الانقسام.

أما خارج أمريكا، فكل الآراء — مهما بدت لامعة أو غاضبة — تبقى بلا أثر. لا تصنع قانوناً، ولا تُسقط إدارة. ترامب رئيس للولايات المتحدة فقط، وليس رئيساً للضمير العالمي. من يقرر مصيره ليس العالم، بل المواطن الأمريكي، الذي يصوّت ببراغماتية قاسية: ماذا ربح؟ ماذا خسر؟ ومَن أخافه أكثر؟

حتى ذلك الموعد الانتخابي، سيظل ترامب رئيساً معلّقاً بين نصفين: نصف يراه منقذاً من نخبة متغطرسة، ونصف يراه تهديداً لفكرة أمريكا نفسها. وبين النصفين، تمشي البلاد على حبل مشدود، تنتظر لحظة الترجيح.

في النهاية، لا أحد يعرف الإجابة الآن.
أمريكا نفسها لم تحسم رأيها بعد.
والصندوق… لم يُفتح.