رياض سعد
** مقدمة
في كل مؤسسة حكومية كانت أم عامة أم خاصة، يقف المدير في قلب المنظومة: إمّا أن يكون مصدر إلهام يدفع بالعجلة إلى الأمام، أو يتحول إلى عبء ثقيل يحوّل مكان العمل إلى جحيم لا يُطاق… ؛ والفرق بين الحالتين ليس في المنصب، بل في الوعي القيادي، والنضج النفسي، والأخلاق المهنية.
المدير الفاشل هو ذاك الذي ينجح – بمهارة مؤلمة – في تحويل موظفٍ كان يساهم في تطوير المؤسسة إلى موظفٍ “يأتي فقط ليأكل عيشه وينصرف”… ؛ اذ يقتل الحماسة، ويصادر المبادرة، ويحوّل الطاقات الحية إلى أجساد تؤدي الحد الأدنى من الواجب بلا روح ولا انتماء.
**حين يصبح المدير عبئًا و تحكم العقد مكان القرار / تحليل نفسي: جذور الفشل القيادي
يمثل المدير الفاشل نموذجاً لاضطراب السلطة، حيث تتحول المنصب إلى أداة لإشباع نواقص نفسية عميقة… ؛ إنه الشخصية التي تخلط بين “القيادة” و”الالوهية المصغرة”، فيتعامل مع الموظفين كانه مالك لمصائرهم، لا مدير لمهاراتهم… ؛ و سلوكه العصبي الدائم، وفظاظة ألفاظه، وتهديده المستمر بالعقوبات – خاصة مع علمه باحتياج الموظفين للوظيفة – ليست سوى أعراض لانعدام الأمن الشخصي والكفاءة المهنية… ؛ فهو يستخدم الخوف أداة لإخفاء عجزه عن الإقناع أو الإلهام.
نعم , غالبًا ما يتحرك المدير الفاشل بدوافع شخصية لا مهنية… ؛ اذ ينتقم من موظفين أكفاء لأسباب ذاتية أو حساسية انانية ، ويكافئ آخرين لا لشيء إلا لأن ولاءهم له شخصي، فتسود ثقافة “الشِّلة والأصحاب” بدل ثقافة الكفاءة والاستحقاق.
هذا النوع من المدراء يعيش حالة تضخم في الأنا؛ يرى أن مصائر الناس بيده، ويتعامل مع الموظفين لا لمصلحة العمل، بل تبعًا لمزاجه وحالته النفسية… ؛ اذ يحيط نفسه بمجموعة من المنافقين، يتقنون فن التطبيل والتبرير، ويغذّونه بوهم العظمة، فيزداد انفصالًا عن الواقع.
تراه دائم العصبية، سيئ الألفاظ، سريع التهديد بالعقوبة، لأنه يدرك حجم حاجة الموظفين إلى وظائفهم، فيستعمل الخوف أداة إدارة كما اسلفنا … ؛ هنا تتحول السلطة من مسؤولية إلى سلاح، ومن تكليف إلى وسيلة ابتزاز نفسي.
**البعد الاجتماعي – كيف يدمّر المدير الفاشل النسيج المؤسسي
اجتماعيًا، يزرع هذا المدير بيئة مسمومة:
تنعدم الثقة، تنتشر الإشاعات، تُدفن المبادرات، ويحل التنافس السلبي محل التعاون. الموظفون لا يعودون فريقًا، بل أفرادًا قلقين يسعون فقط للنجاة.
ومع الوقت، تتحول المؤسسة إلى مساحة طاردة للكفاءات: المبدعون إما يصمتون أو يرحلون، ويبقى من أتقنوا سياسة الانحناء للعاصفة… ؛ وهكذا تتراجع جودة الخدمات، وتضعف الإنتاجية، وتُهدر الأموال العامة، بينما يبدو المدير – في وهمه – أنه “مسيطر”.
نعم , ينجح هذا المدير في تحويل بيئة العمل إلى نظام قبلي طائفي، قائم على “الشلة” والمحسوبية… ؛ اذ يكافئ الولاء الشخصي وليس الكفاءة، وينتقم من المتميزين لأسباب شخصية، مما يحول المؤسسة من فضاء للإنتاج والإبداع إلى ساحة للصراعات والتحالفات الضيقة كما اسلفنا .
والأخطر هو تحويله الموظف المبدع المساهم في تطوير العمل إلى موظف يكتفي بـ”الأكل والعيش فقط”، بعد أن سُحقت روحه الإبداعية وعُلق طموحه… ؛ و هذه العملية ليست مجرد إهدار للموارد البشرية، بل هي جريمة مؤسسية ممنهجة.
ثالثًا: البعد المهني – إدارة بلا رؤية ولا رسالة
مهنياً، يُمثل هذا النموذج كارثة على عدة مستويات:
1. تدمير رأس المال البشري: إقصاء الكفاءات وهجرة الأدمغة.
2. ترسيخ ثقافة النفاق: حيث يحيط المدير نفسه بطبّالين يزينون له كل خطأ، ويبعدون عنه النقد البناء.
3. قتل الابتكار: خوف الموظفين من التجربة أو طرح الأفكار الجديدة.
4. غياب التخطيط الاستراتيجي: تحول المؤسسة إلى ردّات فعل حسب مزاج المدير، لا إلى خطة عمل واضحة.
5. انهيار ثقافة العمل الجماعي: وتحولها إلى ثقافة الخوف والصراع الفردي للبقاء.
نعم , المدير الفاشل لا يبني أنظمة، بل يعتمد على ردود أفعال… ؛ لا يضع معايير واضحة للأداء، ولا يخطط للمستقبل، ولا يستثمر في تطوير موظفيه… ؛ همه الأول تثبيت موقعه، لا تطوير المؤسسة.
الأخطر من ذلك أنه لا يصنع قادة، لأنه يخشى من يلمع بجواره… ؛ لذلك لا يؤمن بفكرة الصف الثاني للقيادة، ولا يعمل على إعداد بدائل، فيبقى كل شيء معلقًا بشخصه، وتصبح المؤسسة رهينة وجوده.
في النهاية، القيادة ليست لقبًا يُمنح، بل سلوك يُمارَس… ؛ وكل من يتولى موقعًا إداريًا يقف أمام خيار أخلاقي ووطني واضح: إمّا أن تكون مديرًا يصنع الأمل ويبني البشر، أو مديرًا يصنع الخوف ويهدم المؤسسات.
الفرق بين النموذجين هو الفرق بين البناء والهدم، بين الخلود المؤسسي والزوال الشخصي… ؛ فالقيادة الحقيقية ليست في السيطرة على الناس، بل في تمكينهم ليكونوا أفضل ما يمكنهم.