في كركوك لا تتنازع الهويّات… بل تتجاور

إيهاب مقبل

ليست كركوك مدينةً عادية تُختصر باسم أو قومية، بل فضاءً عراقيًا كثيف الدلالة، تتجاور فيه الذاكرة مع النفط، والتاريخ مع الجغرافيا، والهويات دون أن تُلغي إحداها الأخرى. هنا لا يُقاس المكان بحدوده الإدارية فقط، بل بقدرته على احتواء التعدّد، وعلى البقاء حيًا رغم الصراع الطويل حوله.

تقع كركوك في شمال العراق، عند نقطة تماس بين السهول والجبال، وبين الوسط والجنوب والشمال، ما جعلها منذ أقدم العصور منطقة جذب سكاني واستقرار بشري. لم تكن كركوك يومًا مدينة منغلقة، بل عقدة وصل، ومرآة مصغّرة لتعقيد العراق كله.

الاسم والجذور التاريخية
يرتبط اسم كركوك بتاريخٍ ضارب في القدم، إذ عُرفت في العصور الآشورية باسم أرابخا، وكانت جزءًا من قلب بلاد الرافدين الحضاري. تعاقبت عليها الإمبراطوريات الآشورية والبابلية والفارسية، ثم دخلت ضمن المجال الإسلامي، لتصبح لاحقًا مدينة مهمة في العهدين العباسي والعثماني.

هذا الامتداد التاريخي يجعل من كركوك مدينة رافدينية بامتياز، لم تُنشأ على هوية واحدة، بل تكوّنت عبر تراكم حضاري طويل، اختلطت فيه الشعوب والثقافات دون قطيعة حادة.

كركوك والهوية: التاريخ خارج الاستقطاب
تاريخيًا، لم تكن كركوك كيانًا سياسيًا مستقلًا، ولا جزءًا من دولة قائمة باسم كردستان، بل كانت دائمًا جزءًا من كيانات سياسية رافدينية وعراقية متعاقبة، منذ العصور القديمة وحتى تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار الوجود الكردي التاريخي في المدينة ومحيطها، إلى جانب الوجود العربي والتركماني، ما جعلها مدينة متعدّدة الأعراق منذ قرون.

سياسيًا، أُلحقت كركوك رسميًا بالدولة العراقية عند تأسيسها عام 1921، وثُبّت هذا الوضع بقرار عصبة الأمم عام 1926 ضمن ولاية الموصل. أما استخدام مصطلح “كردستان” تاريخيًا، فكان توصيفًا جغرافيًا للمناطق الجبلية، لا إطارًا سياسيًا بحدود ثابتة تشمل كركوك.

لهذا، فإن كركوك لا يمكن اختزالها بهوية واحدة دون تشويه تاريخها، بل تُفهم بدقة بوصفها مدينة عراقية متعددة القوميات، شكّل التنوّع جوهر وجودها، لا استثناءً فيه.

كركوك: النفط والمدينة
ارتبط اسم كركوك في العصر الحديث بالنفط، الذي شكّل أحد أهم مفاصل الاقتصاد العراقي. تحوّلت المدينة إلى مركز صناعي واستراتيجي، ما زاد من ثقلها السياسي، وجعلها محور صراع دائم، ليس فقط على الموارد، بل على المعنى والرمزية.

ورغم ذلك، بقيت كركوك مدينة حياة يومية، بأسواقها، وأحيائها، وعلاقاتها الاجتماعية التي لم تنقطع، حتى في أشد فترات التوتر.

الأقضية: تنوّع المكان ووحدة المحافظة
تضم محافظة كركوك مجموعة من الأقضية التي تشكّل امتدادها الجغرافي والاجتماعي. الدبس تجمع بين الزراعة والنفط، وتمثّل منطقة توازن اقتصادي مهم. الحويجة تُعد من أبرز المناطق الزراعية، وتعتمد على إنتاج الحبوب وتربية المواشي، وتشكل رافدًا غذائيًا أساسيًا للمحافظة.

أما داقوق، فهي من أقدم مناطق الاستقرار في جنوب المحافظة، وتتميّز بحضور تركماني واضح، إلى جانب امتداد زراعي وتاريخي غني. وتبقى كركوك المدينة المركز، التي تحتضن هذا التنوّع، وتحوّله إلى نسيج واحد، رغم ما يعتريه أحيانًا من تشققات.

التنوّع السكاني: كركوك كنموذج عراقي
تمثل كركوك نسخة مصغّرة من العراق، نظرًا لتنوّع سكانها القومي والديني والثقافي. فهي تضم عربًا وكردًا وتركمانًا، إلى جانب أقليات أخرى، عاشت جميعها في فضاء واحد، وتشاركت المدينة وأسواقها ومواردها.

لم تُبنَ كركوك على أحياء صمّاء، بل على خطوط تماس لينة؛ يسكن فيها العرب والكرد والتركمان جنبًا إلى جنب، تتبدّل النِّسب ولا يتبدّل الحضور، وتبقى المدينة أوسع من أي تصنيف ضيّق.

هذا التنوّع لم يكن دائمًا سهلًا، لكنه شكّل تجربة عراقية كثيفة، تُظهر أن التعايش ليس حالة مثالية، بل عملية يومية معقّدة، تتطلب التفاهم والصبر، وأحيانًا القبول بالاختلاف دون محاولة إلغائه.

الزراعة والحياة الحيوانية
إلى جانب النفط، تحتفظ كركوك بقطاع زراعي مهم، خاصة في مناطق الحويجة والدبس وداقوق، حيث تُزرع محاصيل القمح والشعير، وتنتشر بساتين الفاكهة في بعض المناطق. كما تشكّل تربية الأغنام والأبقار نشاطًا اقتصاديًا رئيسيًا، خصوصًا في المناطق الريفية.

وتوجد في أطراف المحافظة حيوانات برية متكيّفة مع البيئة المفتوحة، ما يعكس تنوّعًا بيئيًا غالبًا ما يظل في ظل الصورة النفطية الطاغية عن المدينة.

الإنسان الكركوكي: العيش مع التعقيد
تميّز إنسان كركوك بقدرته على التكيّف مع واقع معقّد. فالتنوّع هنا ليس شعارًا سياسيًا، بل تجربة يومية فرضت على السكان مهارات خاصة في العيش المشترك. تعلّم الناس كيف يحافظون على المدينة، حتى حين تختلف الروايات حولها.

الهجرة، والعودة، والخوف، والأمل، كلها عناصر شكّلت شخصية كركوك، وجعلت أبناءها أكثر وعيًا بثمن الانقسام، وأكثر حرصًا على بقاء المدينة حيّة.

خاتمة
كركوك ليست سؤالًا عن الانتماء بقدر ما هي سؤال عن المستقبل. مدينة لا تُختزل في قومية أو عِرق مُعين، ولا تُفسَّر بثروة واحدة، بل تُفهم بوصفها تجربة عراقية مركّبة، تختزن تاريخًا طويلًا من التعايش، والصراع، والبقاء.

في كركوك، لا تتنازع الهويّات… بل تتجاور، لأن المدينة تعلّمت، عبر تاريخها القاسي، أن النجاة لا تكون بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل، وبأن العراق، في جوهره العميق، يشبه كركوك أكثر مما يشبه أي مدينة أخرى.

انتهى