من يملك الحقيقة؟
كتب رياض الفرطوسي
في البلدان التي تعرف نفسها جيداً، لا تحتاج الحقيقة إلى حراس كثيرين. هناك معايير عامة تضبط الاختلاف وتمنع الانزلاق، فيختلف الناس على الحكومات لكنهم لا يختلفون على الوطن، ويتصارعون على السلطة لكنهم لا يتصارعون على وجود الدولة نفسها. أمّا حين تضيع هذه الحدود، تتحول الحقيقة إلى غنيمة، وكل طرف يحاول أن يحتكرها كما يحتكر الأرض أو النفوذ.
المشكلة لم تعد في البنادق وحدها، بل في المصانع التي تنتج المعاني. قبل أن يندلع أي صراع على الأرض يكون قد اشتعل طويلاً في اللغة. الشاشات والمنصات لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد تشكيله، فتخلق عالماً خاصاً لكل جماعة. من يعيش داخل هذا العالم يراه كاملاً ومتماسكاً، لكنه يبدو لغيره وهماً أو تزويراً. وهكذا ينشأ أكثر من واقع داخل البلد الواحد، لا يلتقون إلا في الجغرافيا.
الشخص نفسه قد يتحول إلى صورتين متناقضتين، رمز للبطولة في خطاب، ورمز للخيانة في خطاب آخر. الحدث الواحد يُروى كملحمة هنا وكجريمة هناك. حتى الكلمات البسيطة لم تعد بريئة، إذ تحمل معاني مختلفة بحسب القائل والمستمع. ليس غريباً في مثل هذا المناخ أن يفقد الناس ثقتهم بما يسمعون، ولا بما يرون أحياناً.
الأخطر أن هذه الانقسامات لا تنمو وحدها، فخلف كثير من المنابر حسابات تتجاوز حدود البلد. المال والسياسة يصنعان خطاباً يبدو محلياً لكنه مرتبط بمصالح أوسع. الضجيج المرتفع يخفي أهدافاً أبسط بكثير، النفوذ، الحصة، الموقع. ومع الوقت تتحول هذه المصالح إلى قناعات راسخة في أذهان الناس، كأنها حقائق تاريخية لا تقبل النقاش.
الشباب الذين يولدون في مثل هذا المناخ يتعلمون مبكراً أن الحقيقة ليست واحدة. يسمعون روايات متناقضة عن الماضي والحاضر، ويرون كيف تتبدل الأحكام بتبدل المكان. ما يُعد فضيلة في بيئة معينة يصبح خطيئة في بيئة أخرى. وحين تتعدد الموازين بهذا الشكل يصبح البحث عن الصواب مهمة شاقة، فيكتفي كثيرون بمحاولة النجاة من الحيرة بدل محاولة فهمها.
الجغرافيا نفسها تكتسب معنى سياسياً. الانتقال داخل البلد يشبه أحياناً الدخول إلى مناطق نفسية مختلفة، حيث تتغير الوجوه والرموز ونبرة الحديث. لا يشعر الإنسان أنه يسافر في وطن واحد، بل بين مساحات متجاورة لكل منها ذاكرتها الخاصة وحساسياتها الخاصة. وفي المدن الكبيرة قد تتجاور هذه المساحات على بعد شوارع قليلة فقط.
ومع الزمن تتشكل كيانات صغيرة داخل الكيان الأكبر، لكل منها سرديتها وأولوياتها وتحالفاتها. الدولة تبدو كإطار يجمع هذه العوالم المتباعدة من دون أن يوحدها فعلاً. العيش المشترك يصبح نوعاً من التعايش القلق، تفرضه الضرورة أكثر مما تصنعه الثقة.
في هذا الجو تختلط معاني كثيرة، ويصبح من السهل الخلط بين الولاء للوطن والولاء للسلطة. الاعتراض يُفسَّر أحياناً كأنه تهديد، بينما تُرتكب أخطاء جسيمة باسم الحماية والاستقرار. المواطن يجد نفسه ممزقاً بين الخوف من الانهيار والرغبة في التغيير، فينشأ شعور صامت بالاغتراب، كأن الإنسان يعيش في مكان لا يستطيع مغادرته ولا يستطيع الاطمئنان إليه.
ومع غياب التفكير الجدي بالمستقبل، يبقى الماضي المرجع الأسهل. تستعاد الوقائع القديمة كما لو أنها لم تنته، وتُروى القصص على شكل اتهامات متبادلة. يتحول التاريخ إلى سجل خصومات، لا إلى خبرة تساعد على الفهم. الأجيال الجديدة ترث هذا العبء وهي بالكاد تعرف كيف بدأ.
وسط كل هذا تبدو الحقيقة كأنها شيء بعيد المنال. ليس لأنها غامضة بالضرورة، بل لأن الضجيج حولها أعلى من أن يُحتمل. وحين يضيع الصوت الهادئ بين الأصوات المرتفعة، يصبح السؤال الأهم بلا جواب واضح.
من يملك الحقيقة؟
ربما لا يملكها أحد كاملة، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يعتقد كل طرف أنه يملكها وحده. عندها لا يبقى الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى صراع على الوجود نفسه، ويصبح الوطن ساحةً تتنافس فيها الحقائق بدل أن يكون بيتاً يتسع لها جميعاً.