بمناسبة رمضان شهر القرآن: تكرار آية (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)

د. فاضل حسن شريف

وردت الآية المباركة “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ” (القمر 17) (القمر 22) (القمر 32) (القمر 40). وفي سورة القمر قال الله تبارك وتعالى وفيها تفصيل عن حصول الفيضان بمياه نازلة من السماء ومياه خارجة من داخل الارض عن طريق العيون بكميات كافية لحصول الفيضان، بعد ان دعا نبي الله نوح، المغلوب على أمره، على قومه الذين ازدجروه اي انهروه عن دعوة النبوة، واتهموه بالجنون، فانتصر له الله تعالى، بعد ان بنى سفينة من ألواح خشبية ودسر اي مسامير، لتجري على مياه الفيضان بعين الله سبحانه، لتكون ذكرى لعذاب وانذار الله جلت قدرته “كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16)” (القمر 9-16).

جاء في موقع الألوكة الشرعية عن مصادر الثقافة الإسلامية القرآن الكريم للدكتور مصطفى مسلم: كان القرآن الكريم ولا يزال محوراً للثقافة الإسلامية، والحركات الفكرية وسائر النشاطات العقلية. حرضت آياته على النظر فيه والتأمل فقال تعالى: “كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (ص 29). (القرآن) لغة مصدر (قرأ) على وزن فُعلان مثل غُفران وشُكران قال تعالى: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ” (القيامة 16-18). للقرآن الكريم أسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وكثير منها أوصاف للقرآن عدها بعضهم أسماء القرآن. ومن أشهر الأسماء: 1) القرآن: كما في قوله تعالى: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً” (الاسراء 9). 2) الكتاب: كما في قوله تعالى: “لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ” (الأنبياء 10). 3) الفرقان: كما في قوله تعالى: “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً” (الفرقان 1). 4) الذكر: كما في قوله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر 9). تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن كما أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، ومن غير تحريف أو تبديل، فهيأ لهذا الحفظ أسبابه بتيسير حفظه عن ظهر قلب”وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ” (القمر 17). بدأ نزول القرآن الكريم بالآيات الخمس الأولى من سورة العلق”اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق 1-5)، واستمر نزوله حسب الوقائع والأحداث، وحسب متطلبات تصحيح العقائد ثلاثة عشر عاماً في مكة، ويسمى القرآن المكي وهو الذي نزل قبل الهجرة، كما استمر نزوله حسب متطلبات التشريع، وبناء المجتمع في المدينة عشرة أعوام ويسمى القرآن المدني وهو الذي نزل بعد الهجرة- وختم نزوله بقوله تعالى: “وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ” (البقرة 281). وقد اعترض المشركون على نزول القرآن مفرقاً منجماً، فأورد الله جل جلاله اعتراضهم ورد عليهم ببيان الحكمة من نزول القرآن منجماً، كما جاء في قوله تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا” (الفرقان 32-33).

عن مجلة البيان بدائع (التكرار) في القرآن المجيد للكاتب محمد عبد الشافي القوصي: التكرار الذي نجده في اللفظ والمعنى: فهو ما تكرَّر فيه لفظ بعينه دون اختلاف في عدَّة مواضع من القرآن، أيْ: أنَّ الكلمة أوْ العبارة أوْ الآية تأتي بالصيغة والمفردات نفسها. وهذا التكرار ينقسم إلى نوعيْن: موصول، ومفصول. فالتكرار الموصول: تتكرَّر فيه إمَّا كلمات، كما جاء في قوله تعالى: “هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِـمَا تُوعَدُونَ” (المؤمنون 36)، وقوله تعالى: “وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً” (الإنسان 15 – 16). وإمَّا مقاطع، كما جاء في قوله تعالى: “كَلَّا إذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا 21 وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْـمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر 21 – 22). وإمَّا آيات، كما جاء في قوله: “فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ” (المدثر 19 – 20)، وقوله عزَّ وجلَّ: “أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى” (القيامة 34 – 35)، وقوله: “كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ” (النبأ 4-5)، وقوله سبحانه: “وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ 17 ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ” (الانفطار 17 – 18)، وقوله: “فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً” (الشرح 5-6)، وقـوله سـبحانه: “كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ” (التكاثر 3-4). وأمَّا التكرار المفصول: فهو يقع إمَّا في سُورةٍ بعينها، كما جاء فيما وقع فيه الفصل بين المكرَّرين في سورة الشعراء: “وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ” التي تكرَّر فيها (8) مرات. أوْ قوله تعالى في سورة النمل: “أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ” الذي تكرَّر فيه (5) مرات. أوْ قوله تعالى في سورة القمر: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” الذي تكرَّر فيه (4) مرات في السورة. أوْ قوله في سورة الرحمن: “فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” التي تكرَّر فيها (31) مرة. أوْ قوله في سورة المرسلات: “وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ” التي تكرَّر فيها (10) مرات. وإمَّا أنه يقع في مواضع مختلفة من القرآن: كما جاء في قوله سبحانه: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ” الذي تكرَّر مرتيْن في القرآن: الأُولى في سورة التوبة، والثانية في سورة التحريم. ومِن ذلك قوله تعالى: “وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” الذي تكرَّر في ثلاثة مواضع من القرآن: سُوَر (النمل، يس، المُلْك). أوْ ما جاء في قوله تعالى: “فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” فقد تكرَّرت هذه الآية في موضعيْن: في النحل، وفي الأنبياء.

ويستطر الكاتب محمد عبد الشافي القوصي قائلا: قد يكون المكرَّر كلمة مع أختها لداعٍ، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها: ومِن أمثلته قوله تعالى في أول سورة البقرة عن جزاء المؤمنين: “أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ” (البقرة 5(، فقد تكرَّر اسم الإشارة “أُولَئِكَ”، والسرُّ في ذلك إظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، والتنبيه على أنهم كما ثبتَ لهم الاختصاص بالهُدى ثبتَ لهم الاختصاص بالفلاح، وأنَّ كل واحدة من الصفتيْن كافية في تمييزهم عن غيرهم. فلوْ لم تُكرَّر “أُولَئِكَ” لأوْهَمَ ذلك أنَّ (الواو) في: “وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ”. حاليَّة وما بعدها حال، ولكن (الواو) عاطفة، لاختلاف الجملتيْن، فالهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة، ولوْ لم تُكرَّر “أُولَئِكَ” لربما فهم اختصاصهم بالمجموع، فيوهم تحقُّق كلٍّ من الهدى أو الفلاح منفرداً فيمن عداهم، ولكن كل واحدة كافية في تمييزهم عن غيرهم. وقد يكون المكرَّر آية بعينها: كقوله تعالى: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” (القمر 17). يقول (صاحب الكشَّاف): وفائدة التكرار هنا: أنْ يُجدِّدوا عند استماع كلِّ نبأ مِن أنباء الأولين ادِّكاراً واتعاظاً، وأنْ يستأنفوا تنبيهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحثَّ على ذلك والبعث عليه. وهذه حِكَم التَّكْرار في قوله جلَّ سلطانه: “وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ” (المرسلات 15) عند كلِّ آية أَوْرَدَها، وكذلك تكرار الأنباء والقصص في أنفسها، لتكونَ تلك العبرة حاضرةَ القلوب، مُصوَّرةً للأذهان، مذكورةً غير منسيةٍ في كلِّ آن. كذلك كرَّر في سورة الرحمن: “فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” عند كل نعمة عدَّها. والسرُّ في ذلك التكرار: أنَّ الله تعالى خاطب في تلك السورة الثقَليْن، وعدَّد عليهم نِعمه وآلاءه، فكلما ذَكَر نِعمةً أعقبها بتلك الآية، طلباً لإقرارهم، واقتضاءً لشكرها، فالتكرار هنا لتعدُّد المتعلق. فقد تكرَّرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة: ثمانِ مرات عقب الآيات التي تحدَّثت عن عجائب خَلْق الله من الآية (الرحمن 16-34)، ثمَّ تكرَّرتْ سبع مرات عقب ذِكْر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وحسن ذِكْر الآلاء عَقبها لأنَّ في صرفها ودفعها نِعماً توازي النِّعم المذكورة، أوْ لأنها حلَّت بالمجرمين، وذلك يُعدُّ أكبر النعماء من الآية (الرحمن 34-45)، ثمَّ ثمانٍ في وصف جنتيْ المقرَّبين من الآية (الرحمن 47-61)، ثمَّ ثمانٍ أخرى لجنتيْ الأبرار من الآية (الرحمن 63-75). كأنه يقول: مَن اعتقد الثمانية الأولى وعمِلَ بموجبها استحقَّ كلتا الثمانيتيْن في وصف الجِنان مِن الله، ووقاهُ السبعةَ التي جاءت في النار. هذا، وقد قسَّمَ العلماءُ التكرار في القرآن إلى نوعيْن: أحدهما الذي نجده في اللفظ والمعنى، والآخَر الذي نجده في المعنى دون اللفظ.

إن القرآن هو أعظم ثروات المسلمين، وحبل الله المتين، الذي يمسك المؤمنون بطرفه ويتصلون بالطرف الآخر أو من خلاله بالله، خالق الكون، واهب الحياة والموت “والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين” (الأعراف 170). ولعل من الأمور اللافتة، التي تضمن استمرار هذا التواتر في النقل وهذه الجموع في التلقي والتعامل مع القرآن، أن القرآن خطاب أمة، وليس خطاب نخبة، خطاب للناس جميعا، بمن فيهم النخبة، لذلك فهو ليس حكرا على فئة أو طائفة أو طبقة من رجال الدين أو الكهنوت، إنما هو خطاب ميسر للذكر، كما وصفه الله تعالى بقوله: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر” (القمر 17).

عن مركز الامام الصادق عليه السلام حول التكرار في القرآن: تكرار آخر فى سورة “القمر”: وفى هذه السورة “القمر” مظهر آخر من مظاهر التكرار، هو قوله تعالى: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”. حيث ورد فى السورة أربع مرات، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص. وقد اشتملت هذه الآية: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”على خبر واستفهام، والخبر تمهيد للاستفهام الذى فيها ولفت النظر إليه.

يقول الشيخ حسن العامري: الوارث يعني وارث الأنبياء. وللائمة مقامات مختلفة منها صفوة الله، خليل الله، كليم الله، حبيب الله كما ورد في زيارة الحسين عليه السلام. فالزيارة باب من أبواب معرفة أهل البيت عليهم السلام كما حال القرآن باب من باب المعرفة “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” (القمر 22) وهكذا “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” (الأخلاص 1) فالقرآن سهل الفهم ولكن معرفة الشخص العادي يختلف عن معرفة العارفين والعلماء