د. فاضل حسن شريف
أقام مسجد الإمام الحسين عليه السلام جلسة قرآنية يقرأ كل حاضر آيات من الجزء السابع من القرآن الكريم بإشراف السيد عبد السلام الموسوي، فقراءة دعاء الافتتاح، ومحاضرة للشيخ عبد السلام فرج الله، ومأدبة الإفطار.
كان عنوان محاضرة اليوم (مفهوم الوسطية في القرآن الكريم) حيث ابتدأ الشيخ عبد السلام فرج الله بقوله تعالى “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” (البقرة 143) وقد أوضح الله سبحانه صفة تلك الامة بقوله “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (ال عمران 105) فالامة الوسط هي المفلحة أفضل الامم كما ورد في اللغة ان الوسط هو الأفضل “مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ” (المائدة 89). فالامة الوسط عندما يكون أغلب افرادها يعيشون الوسطية وليس القلة منهم. وورد عن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم (الوسط العدل). قال الله عز وجل “قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ” (القلم 28) أوسطهم أي اعدلهم أو أفضلهم أو أخيرهم. الوسطية اي العدالة بين المؤمنين وغير المؤمنين “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة 8). والوسطي لا يبخس أي أحد “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” (هود 85). الوسطية أيضا في الانفاق “الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا” (الفرقان 67)، و “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا” (الاسراء 29). وحتى الوسطية بين الجهر والاخفات في الصلاة “وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلً” (الاسراء 110). قال الله جل جلاله “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” (لقمان 19). و الوسطية بين تحديق العين وغمضها أي الغض من البصر “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ” (النور 30)، و “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ” (النور 31).
والوسط العادل هو الاقرب للتقوى كما قال الله عز وعلا “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة 8). قال امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضَك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما). فان كان صديقك على حقك فقف معه وان كان على باطل فانصحه ولا تقف معه. القاضي العادل لا يميل الى طرف على حساب الطرف الآخر.
روي أن الإمام علي عليه السلام وجد درعه عند عربي مسيحي من عامة الناس، فأقبل به إلى أحد القضاة، اسمه شريح ليخاصمه ويقاضيه. ولما مثلا أمام القاضي قال الإمام علي عليه السلام: (إنها درعي ولم أبع ولم أهب) فسأل القاضي الرجل المسيحي: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: “ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب). وهنا التفت القاضي شريح إلى علي يسأله: (هل من بينة تشهد على أن هذه الدرع لك؟) فضحك علي وقال: (أصاب, شريح، مالي بينة) فقضى شريح بالدرع للرجل المسيحي، فأخذها ومشى، وأمير المؤمنين ينظر إليه. إلا أن الرجل لم يخط خطوات قلائل حتى عاد يقول: (أما أنا فأشهد أن هذه أخلاق الأنبياء. أمير المؤمنين يدينني إلى قاضي يقضي عليه!ثم أردف قائلا: (الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضي يقضي عليه ثم أردف قائلا: الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين وقد كنت كاذبا فيما ادعيت).
وقصة نبي الله داود عليه السلام تبين طلب العدالة بين الخصماء بالسماع لاقوالهم وليس سماع خصم دون الآخر “إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)” (ص 22-26). والغو في الدين يعني البعد عن الوسطية.