ما بعد الحرب: انكسار الرهان… وصعود معادلة البقاء

خالد الغريباوي

في التاريخ السياسي، لا تُقاس الانتصارات بعدد الضربات، بل بقدرة المشروع على تحقيق أهدافه. وحين تنتهي الحروب ويبقى النظام الذي استُهدف قائمًا، فإن ذلك لا يُقرأ بوصفه حدثًا عابرًا، بل تحولًا في ميزان الإرادات. وإذا خرجت الجمهورية الإسلامية من المواجهة واقفة، بمؤسساتها، وعلى رأسها الحرس الثوري الايراني، فإن المعادلة الجديدة لن تُفسَّر في طهران وحدها، بل في واشنطن وتل أبيب أيضًا.

لقد قام الرهان في مرحلة سابقة، خصوصًا خلال إدارة ترامب، على فرضية “الضغط الأقصى” لإجبار إيران على تغيير سلوكها، واستندت رؤية نتانياهو إلى قناعة بأن التفوق العسكري النوعي يمكن أن يعيد رسم قواعد الاشتباك. غير أن بقاء النظام الإيراني سيعني أن تلك الفرضيات لم تحقق أهدافها، وأن الانكسار هنا ليس تقنيًا بل استراتيجيًا في مستوى الأهداف: حين لا يؤدي التصعيد إلى تفكيك البنية الأمنية ولا إنهاء النفوذ الإقليمي، تتحول النتيجة من “مشروع إنهاء” إلى “سياسة احتواء”.

خروج النظام الإيراني كنظام واقفًا باقيا سيضع الحرس الثوري في مركز المشهد الداخلي، ليس كذراع عسكري فقط، بل كسلطة فعلية تسيطر على مفاصل الدولة، متجاوزة أحيانًا حدود الخطوط التي رسمها السيد علي خامنئي، السيطرة ستشمل الأجهزة الأمنية، الاقتصاد الحيوي، قطاع الطاقة، وحتى توجيه السياسات المحلية. وبذلك، يتحول الحرس الثوري إلى القوة الحاكمة الفعلية في إيران، مع قدرة غير مسبوقة على إدارة الداخل بحسب رؤيته الاستراتيجية.

إقليميًا، سيمنح هذا الصمود وغياب القيود الخارجية للحرس الثوري نفوذًا أكبر في منطقة الخليج، ليصبح اللاعب الأساسي الذي يحدد قواعد اللعبة البحرية والسياسية. القوة العسكرية والوجود الاستراتيجي للحرس سيوفران له القدرة على فرض معادلات الردع على دول الخليج، وتوسيع تأثيره في مضيق هرمز وممرات الطاقة، مستفيدًا من التجربة التاريخية التي أثبتت أن الصمود في مواجهة أقوى خصومه يعزز مكانته في المنطقة.

في واشنطن، سيُقرأ مشهد الخصم الذي لم يسقط بوصفه حدودًا للقوة الأمريكية، وفي تل أبيب سيظهر أن نهج الحسم لم يعد مجديًا، وأن الردع المتبادل هو الواقع الجديد. المعادلة القادمة لن ترى إيران كخصم ضعيف، بل طرفًا قادرًا على امتصاص الصدمات، وإعادة صياغة الحسابات الإقليمية على أسس جديدة.

إن التاريخ يعلم أن بقاء النظام ليس مجرد استمرار، بل حدث استراتيجي يعيد تشكيل الإقليم. فإذا خرجت إيران من الحرب محافظة على نظامها ومؤسساتها، وسيطرة الحرس الثوري على الداخل والخليج، فإن الرسالة السياسية ستكون واضحة: ليس كل تصعيد يؤدي إلى سقوط، وليس كل تفوق عسكري يصنع واقعًا جديدًا، لكن البقاء بحد ذاته يكفي ليكون انتصارًا استراتيجيًا. وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع السرديات مع القوة، يصبح البقاء والسطوة الفعلية للحرس الثوري حدثًا يفرض واقعًا جديدًا لعقود قادمة.