رياض سعد
مقدمة
ثمة مفارقة عميقة تكتنف علاقة الإنسان بالتدين؛ فبينما يُفترض في التجربة الدينية أن تكون رحلة روحانية حرة ترتقي بالفرد نحو آفاق أسمى من الوعي والإدراك والبحث عن المطلق ، نراها في أحيان كثيرة تتحول إلى آلية لشفط الذات وتغييب الوعي، وإلى عملية إذابة للهوية الفردانية في بوتقة الجماعة، حتى ليصبح المتدين مجرد صدى لصوت الجمع، ونقطة في سرب لا تكاد تُرى ولا تُسمع …!!
نعم , وقد يعني التدين، في كثير من تجلياته الاجتماعية، انشداد الإنسان إلى منظومة قيم ومعانٍ تمنحه الطمأنينة واليقين والسكينة … ؛ غير أن هذا التدين نفسه قد يتحول — في بعض صوره — إلى عملية امتصاص لذات المتدين وتغييب لوعيه النقدي، حتى يغدو الفرد مجرد صدى لصوت الجماعة، لا صوتًا قائمًا بذاته كما اسلفنا … ؛ وهنا يبرز تقاطع ملتبس بين الذات الفردية والهوية الجمعية؛ إذ لا يُعترف للفرد بصفة “المتدين” إلا بقدر ما يتماهى مع سمات الجماعة الدينية، ويتشبه بسلوكها، ويتبنى رؤيتها، ويذيب خصوصيته الحرة في بوتقتها القسرية .
التدين وهوية القطيع: من الفردانية إلى الذوبان
ليس الغرض هنا نقد الدين بوصفه عقيدة وقيمًا روحية، بل نقد نمط معين من التدين ؛ يحوِّل الإنسان من كائن مفكر متميز بذاته إلى مجرد تابع يتحرك وفق إيقاع الجماعة… ؛ ذلك أن وسم الإنسان بصفة “المتدين” في الأوساط التقليدية غالبًا ما يتطلب منه أن ينخلع عن فردانيته، وأن يتقمص سمات الذات الجمعية للطائفة أو الجماعة الدينية التي ينتمي إليها… ؛ إنها عملية استبدال دقيقة: تُسلخ فيها الذات المفكرة، ليُلبس جلد الجماعة مكانها .
وهكذا ينتقل المتدين من دائرة الشخصانية المستقلة إلى دائرة القطيع؛ حيث يصبح التفكير خارج الأطر والقوالب الدينية الجاهزة فعلاً محظورًا، بل قد يصل إلى حد التكفير والاتهام بالزندقة والهرطقة… ؛ وفي هذه المناخ الفكري، لا مجال للاجتهاد الشخصي ولا للتأمل الذاتي في مواجهة النص الديني، الذي يُفرض قراءته قراءة واحدة لا تحتمل التأويل أو ضمن بضعة قراءات محددة سلفا .
نعم , وفي هذه الحال، لا يُنظر إلى التدين بوصفه تجربة روحية شخصية، بل باعتباره انخراطًا كليًا في نموذج جاهز، تُقاس أصالته بمدى التشابه لا بعمق الفهم… ؛ فتضمحل الذات الفردية تدريجيًا، وتنصهر شخصية المتدين في صورة معيارية تصوغها الجماعة، حتى يغدو الخروج عنها خروجًا عن “الصراط المستقيم والنهج القويم ” الجمعي، لا مجرد اختلاف في الرأي أو الاجتهاد حتى وان كان داخل دائرة الدين احيانا…!!
ينتقل المتدين، عندئذٍ، من دائرة الفردانية والشخصانية إلى دائرة الانتماء الصارم للذات الجمعية، حيث يُنظر إلى التفكير المستقل خارج القوالب الموروثة بعين الريبة، وقد يُوصم بالحرمة أو البدعة أو الزندقة كما اسلفنا … ؛ ويتكرس مع الزمن تصورٌ مفاده أن النص الديني — كما فُهم في سياق تاريخي معين — هو نهاية التفكير لا بدايته، وأن الاجتهاد الشخصي مجازفة غير مأمونة العواقب… ؛ وهكذا يُستبدل السؤال بالتلقين، ويُستبدل البحث بالتسليم …!!
سيكولوجية القطيع: لماذا يخاف المقلدون من الحرية
مع مرور الزمن، يتحول الشخص المتدين إلى نسخة مطابقة من بقية أفراد الجماعة… ؛ وتكمن المأساة في أن هؤلاء الأفراد لا يدركون أنهم مجرد نسخ مكررة، بل يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم على الحق المطلق، وأن من سواهم على ضلال مبين… ؛ وهنا تكمن المفارقة: إنهم لا يفكرون، لأن التفكير يتطلب شجاعة أدبية نادرة، وجرأة على مواجهة الذات والجماعة، ومراجعة المسلمات التي نشأوا عليها .
أفراد القطيع لا يملكون هذه الجرأة، ليس لأنهم أقل ذكاءً أو وعيًا، بل لأنهم أسرى نظام فكري محكم يكافئ التابع ويعاقب المبتدع… ؛ إنهم يعيشون في قوقعة مريحة، حيث المعرفة جاهزة والأسئلة محظورة والأجوبة مسطرة… ؛ ولذلك، حين يخرج عليهم شخص حر بوجهة نظر مغايرة، لا يملكون إلا أن يهجموا عليه، ليس لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأنه يكسر هدوء قوقعتهم ويزعج استقرار قناعاتهم الواهية .
نعم , مع تراكم هذا النمط من التنشئة، قد يتحول بعض المتدينين إلى نسخ متشابهة في الرأي والموقف واللغة، لا لأن الدين يقتضي ذلك بالضرورة، بل لأن الجماعة لا تتسامح مع التمايز… ؛ فينشأ ما يمكن تسميته “عقل القطيع”، حيث تتغلب الهوية الجمعية على الضمير الفردي، ويغدو الانتماء أهم من الحقيقة، والانسجام أهم من الصدق .
آليات القمع الفكري: عندما يصبح الاختلاف جريمة
في هذا السياق، يُقابَل الصوت المختلف بهجوم جماعي، لا لضعف منطقه فحسب، بل لأنه يهدد التوازن النفسي الذي وفرته اليقينيات الجاهزة… ؛ فالفكرة الجديدة تُرى زلزالًا يهز أسسًا بُنيت على الاعتياد لا على الفحص، وعلى التلقّي لا على التمحيص… ؛ ومن ثم يسعى بعض أفراد الجماعة إلى إسكات الأصوات الحرة، لا بدافع الحقد الشخصي، بل دفاعًا عن صورة العالم التي اعتادوا عليها، وخوفًا من مواجهة الأسئلة التي طالما أُرجئت .
نعم , يتعامل أفراد القطيع مع الصوت المخالف باعتباره تهديدًا وجوديًا… ؛ فكل فكرة جديدة هي زلزال يهز أسسهم الفكرية الهشة، وكل طرح مغاير هو اعتداء على حياتهم المريحة داخل القوقعة… ؛ ولذلك يلجأون إلى آليات متعددة لإسكات الأصوات الحرة: تارة بالتكفير والاتهامات الدينية، وتارة بالتنميط والوصم الاجتماعي، وتارة بالعنف الرمزي أو المادي .
واللافت أن هذه الآليات لا تمارس بقصد الشر، بل بقصد “الدفاع عن الحق” في نظرهم، مما يجعلها أكثر فتكًا… ؛ فالذي يقتل فكرة لا يشعر بأنه يقتلها، بل يعتقد أنه يحمي الجماعة من الانحراف، ويحافظ على نقاء العقيدة… ؛ إنها مأساة الضمير المستريح وهو يرتكب أبشع أنواع القمع الفكري .
التسليم بالمعتاد: حين يصبح التقليد عبادة
السمة الأبرز في هذا النمط من التدين هي التسليم المطلق بما هو معتاد… ؛ فالموروث الديني يتحول إلى نسق مغلق لا يقبل النقاش، والماضي يصبح معيار الحاضر والمستقبل، والاجتهاد يُستبدل بالتقليد، والسؤال يُستبدل بالجواب الجاهز… ؛ وهكذا يتحول الدين من رسالة تحرر إلى أداة تكميم، ومن دعوة إلى التفكر إلى نظام يكرس التبعية الفكرية .
غير أن هذا النقد لا يعني أن التدين في ذاته نقيض للحرية أو عدو للعقل؛ فالتاريخ الديني زاخر بنماذج اجتهدت وأبدعت وناقشت وأعادت قراءة النصوص في ضوء عقولها وواقعها… ؛ إن الإشكال لا يكمن في الإيمان، بل في تحويله إلى هوية مغلقة، تُقاس فيها التقوى بمدى الطاعة للجماعة لا بعمق الصلة بالله او بتجربة البحث عنه ، ويُختزل فيها الدين إلى شعارات وسلوكيات ظاهرية، بدل أن يكون مشروعًا أخلاقيًا وروحيًا وفكريا وتأمليا يحرر الإنسان من الخوف والجهل والتبعية العمياء … .
الخلاصة: نحو تدين يحترم العقل والذات
إن التدين الناضج لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن عقله، بل أن يطوره , ولا أن يهمل نفسه بل يزكيها ؛ ولا أن يذيب فرديته، بل أن يهذبها… ؛ وهو لا يخشى السؤال، لأن الحقيقة — إن كانت حقًا — لا يهددها البحث، بل يرسخها… ؛ أما التدين الذي يقوم على الخوف من التفكير، فهو تدين هش، يحتمي بالجماعة ليخفي ضعفه، ويضيق بالاختلاف لأنه لم يتأسس على قناعة راسخة، بل على تكرار مألوف… .
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التوازن بين الإيمان والوعي، بين الانتماء والحرية، بين النص والعقل… ؛ فالدين، في جوهره، خطاب موجه إلى الإنسان الفرد اولا واخيرا ؛ وقد يكون رسالة إلى الجماعة وفقا لبعض القراءات … ؛ وإذا كان لا بد من انتماء، فليكن انتماءً لا يُلغي الذات، بل يثريها؛ ولا يُصادر السؤال، بل يوجهه؛ ولا يحوّل المؤمن إلى تابع، بل يجعله مسؤولًا عن إيمانه، مدركًا له، ومشاركًا في فهمه … .
ليس المطلوب التخلي عن الدين، بل المطلوب تحرير التدين من أغلال القطيع… ؛ إن التدين الحقيقي هو الذي يوقظ العقل ولا يخدره، الذي يحترم خصوصية الذات ولا يذيبها، الذي يفتح أبواب التساؤل ولا يغلقها… ؛ التدين الذي نحتاج إليه هو ذلك الذي يجعل من الإنسان إنسانًا قبل أن يجعله مؤمنًا، والذي يرى في الاختلاف إثراءً لا تهديدًا، وفي التفكير الحر عبادة لا زندقة .
نعم , إن أخطر ما يهدد التجربة الدينية ليس النقد، بل الجمود؛ وليس السؤال، بل الخوف منه… ؛ وعندما يتحرر المتدين من وهم أن الجماعة معصومة، ويؤمن بأن الحقيقة أوسع من تأويل واحد، يبدأ التدين في استعادة معناه الأصيل: علاقة واعية بين الإنسان وربه، لا علاقة تبعية بين الفرد وقطيعه .
فهل يمتلك المتدين المعاصر الشجاعة ليخرج من قطيعه، وليواجه مخاوفه الفكرية، وليصبح فردًا واعيًا قبل أن يكون مجرد رقم في سرب؟!
هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه التجربة الدينية في عصرنا .