التشيّع المعاصر والقلق الدولي في ثنائية (الهيمنة – الاستقلال)

كامل الدلفي

أولاً: تمهيد

لم يعد التشيّع في سياقه المعاصر مجرد انتماء فقهي ضمن خريطة المذاهب الإسلامية، بل تطور ليشكّل نمطاً من الوعي السياسي والاجتماعي المرتبط بقضايا الدولة والعدالة والاستقلال. إن اختزاله في تاريخه الصراعي مع المحيط السني يمثل قراءة قاصرة تتجاهل تحوله إلى حامل لرؤية حديثة في الحكم والمجتمع.

فالعصر الحديث أفرز تشكلاً جديداً للتشيّع لم يعد مشغولاً فقط بسردية المظلومية التاريخية، بل انفتح على الفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية، وأسهم في إنتاج أطروحات حول:

العدالة الاجتماعية، الدولة، الثورة، الاستقلال، توزيع الثروة.

وبذلك أصبح التشيّع قابلاً للقراءة بوصفه وعيًا سياسياً حديثاً لا مجرد تراث مذهبي.

ثانياً: التشيّع من المذهب إلى الوعي السياسي

تميّز التاريخ الشيعي – كما تشير إليه مصادر إسلامية ودراسات استشراقية – بنزعة رفض للسلطة غير الشرعية منذ بدايات الدولة الأموية في عهد( معاوية بن أبي سفيان) ، مروراً بأنماط متعددة من المعارضة السياسية، وصولاً إلى لحظة سقوط نظام (صدام حسين). ولاحظ هذا المسار باحثون غربيون مثل:

لويس ماسينون، وبرنارد لويس، وغيرهما من الباحثين في الاستشراق والتاريخ الإسلامي، حيث أشاروا إلى أن التشيّع احتفظ عبر التاريخ بقدرة على إنتاج خطاب مقاوم للسلطة، وهو ما منحه قابلية للتحول إلى حامل لخطاب سياسي معاصر.

ثالثاً: التشيّع المعاصر كمشروع استقلال

في سياق ما بعد الاستعمار، تبلورت داخل التشيّع اتجاهات فكرية تربط بين:

العدالة و السيادة الوطنية ومقاومة الهيمنة الخارجية.

وهنا بدأ التشيّع يُقرأ دولياً لا بوصفه ظاهرة دينية فقط، بل كإطار محتمل لمشاريع استقلالية في الشرق الأوسط.

وهذا ما ولّد قلقاً دولياً مزدوجاً:

قلق من تحوله إلى حامل أيديولوجي لمقاومة النفوذ الغربي.

قلق من قدرته على التعبئة الاجتماعية خارج النماذج الليبرالية أو الملكية التقليدية.

رابعاً: صناعة الأطروحة المضادة

إزاء هذا التحول، نشأت مقاربات دولية ومحلية عملت على احتواء أو تشويه التشيّع المعاصر عبر:

1. ربطه بالإرهاب

حيث أُلصقت بحركات الاستقلال صفات العنف والتطرف، وتم إدراجها ضمن منظومات العقوبات الدولية.

2. دعم الأنظمة المتحالفة

قدّمت القوى الكبرى ضمانات حماية لأنظمة محلية متحالفة معها، حتى لو كان ذلك على حساب شعوبها، كما كشفت تجارب الصراع الإقليمي بعد حرب الخليج.

3. إعادة إنتاج الصراع المذهبي

تمت إعادة قراءة الصراع السياسي الحديث ضمن ثنائية تاريخية رمزية بين:

الخليفة عمر بن الخطاب والامام علي بن أبي طالب، بما يحوّله من صراع استقلالي إلى نزاع مذهبي.

خامساً: التبني المحلي للأطروحة المضادة:

المفارقة أن بعض النخب المحلية تبنّت هذه القراءة لعدة أسباب:

– الخوف من العزلة الدولية.

– الارتباط بمنظومات الحماية الخارجية.

– الجمود الفقهي الذي حال دون إدراك التحول الحداثي داخل التشيع.

فتم التعامل معه كخصم مذهبي بدلاً من فهمه كفاعل سياسي في معادلة الاستقلال.

سادساً: طبيعة الصراع الحقيقية:

إن الصراع لم يعد مذهبياً في جوهره، بل أصبح جزءاً من ثنائية كبرى:

– الهيمنة الدولية.

في مقابل

– الاستقلال الوطني.

وبذلك فإن إعادة تأطير التشيّع كخطر مذهبي يخدم إعادة إنتاج التبعية، لأنه يحجب طبيعته السياسية كخطاب مقاوم محتمل.

سابعاً: الاستنتاج

التشيّع المعاصر ليس ظاهرة لاهوتية بقدر ما هو قابل لأن يكون:

– وعياً سياسيًا.

– و إطاراً اجتماعيا.

– حاملاً لمشروع استقلال.

والتعامل معه ضمن منطق الطائفية يعيق بناء مساحات مشتركة داخل الدولة الوطنية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التشيّع ذاته، بل في موقعه من معادلة:

الهيمنة أو الاستقلال.