حرب الصواريخ ام حرب النفط

حرب الصواريخ أم حرب النفط؟

كتب رياض الفرطوسي

في كل حرب تقريباً هناك روايتان. الأولى تُقال بصوتٍ عالٍ على المنابر وفي نشرات الأخبار، والثانية تتحرك بصمت في الخلفية حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع خرائط النفوذ. الرواية الأولى تتحدث عن الأمن والاستقرار ومنع انتشار الأسلحة، أما الثانية فتدور غالباً حول الطاقة والطرق التجارية وموازين القوة في العالم.

عندما يُذكر اسم إيران في الخطاب السياسي الغربي، يقفز الملف النووي مباشرة إلى الواجهة. الصواريخ، المفاعلات، والحديث المتكرر عن خطرٍ يهدد المنطقة والعالم. لكن التجربة الحديثة تدفع إلى التوقف قليلًا قبل قبول هذه الرواية بوصفها القصة الكاملة.

فالعالم لم ينس بعد ما جرى في العراق قبل أكثر من عشرين عاماً. آنذاك أعلنت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس جورج بوش الابن ووزير خارجيته كولن باول أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل تشكل خطراً على الأمن الدولي. تحولت القضية إلى مبرر رئيسي للحرب، وتكررت الاتهامات في المحافل الدولية، ثم اندلعت المعركة.

لكن بعد سقوط نظام صدام حسين بدأت الحقيقة تتكشف بهدوء. فرق التفتيش التي انتشرت في أنحاء البلاد لم تعثر على الترسانة التي قيل إن العراق يمتلكها. لم تظهر الأسلحة النووية ولا المخازن الضخمة التي كانت تُستخدم لتبرير الحرب. وبقي السؤال الذي لم يجد إجابة مقنعة حتى اليوم، إذا لم تكن تلك الأسلحة موجودة، فلماذا وقعت الحرب أصلًا؟

هذه التجربة وحدها كافية لتجعل أي مراقب يتعامل بحذر مع الروايات الرسمية عندما تُطرح أسباب الحروب الكبرى. فالتاريخ يعلمنا أن السياسة الدولية لا تتحرك فقط بدافع المخاوف الأمنية، بل كثيراً ما تتشكل قرارات الحرب في أماكن أخرى، في مكاتب الاقتصاد وخرائط الطاقة.

وعندما ننظر إلى التوتر مع إيران من هذه الزاوية، تتغير الصورة قليلًا. فإيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل تقع في قلب واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم. الخليج العربي يحتوي على نسبة ضخمة من احتياطي النفط العالمي، وإيران نفسها تمتلك موارد هائلة من النفط والغاز تجعلها لاعباً مهماً في سوق الطاقة.

وفوق ذلك كله يقع عند سواحلها أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وهو مضيق هرمز. هذا الممر الضيق تمر عبره يومياً كميات هائلة من النفط المتجه إلى الأسواق العالمية. أي اضطراب فيه يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي خلال أيام قليلة.

من هنا تبدأ القصة في الظهور بشكل مختلف. فحين تتقاطع الجغرافيا مع النفط تصبح المنطقة أكثر حساسية لأي صراع. الطاقة في العصر الحديث ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل عنصر من عناصر القوة الدولية.

ثم يأتي عامل آخر يزيد المشهد تعقيداً، وهو الصراع بين القوى الكبرى. فالصين، التي أصبحت أحد أكبر اقتصادات العالم، تعتمد بشكل متزايد على استيراد الطاقة من الشرق الأوسط. وخلال السنوات الماضية كانت من أبرز المشترين للنفط الإيراني رغم العقوبات الغربية. هذه العلاقة الاقتصادية تجعل إيران جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالمنافسة الاقتصادية بين واشنطن وبكين.

كما أن مشاريع التجارة العالمية الكبرى، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، تسعى إلى بناء شبكة طرق وموانئ تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. جزء مهم من هذه الشبكة يمر بالقرب من الممرات البحرية في الشرق الأوسط، وهو ما يمنح المنطقة أهمية استراتيجية متزايدة في الحسابات الدولية.

ولا يمكن تجاهل البعد الإقليمي أيضًا. فقد استطاعت إيران خلال العقود الأخيرة أن تبني حضوراً سياسياً وعسكرياً في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، من لبنان إلى سوريا وصولًا إلى اليمن. هذا النفوذ يمنحها قدرة على التأثير في توازنات المنطقة، وهو أمر يثير قلق خصومها، وفي مقدمتهم إسرائيل.

لهذا تبدو الصواريخ التي تتصدر الأخبار جزءاً من المشهد، لكنها ربما ليست كل القصة. فخلف أصوات الانفجارات تدور معركة أخرى أقل ضجيجاً لكنها أكثر عمقاً، معركة على الطاقة، وعلى طرق التجارة، وعلى موقع كل دولة في النظام الدولي القادم.

قد تكون الصواريخ هي اللغة الظاهرة للحرب، لكن النفط يظل في كثير من الأحيان القلب الصامت الذي يدفعها إلى الاشتعال. ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط من يطلق الصواريخ، بل من يملك مفاتيح الطاقة في العالم.