رياض الفرطوسي
هناك لحظات في التاريخ، تزدحم فيها الوقائع حتى تبدو كمرآة مكسورة، ترى فيها جزءاً من الحقيقة في كل شظية، لكن لا يتوقف العقل عند أي منها، لأنه سرعان ما ينقلب إلى سؤال أكبر: لماذا لا يوجد سرد متماسك يبرر الحرب؟
لم يكن هناك تهديد مباشر للأمن الأمريكي يستدعي إعلان التعبئة، ولا أساطيل معادية تقترب من السواحل، ولا إطلاق صواريخ على المدن الكبرى. من هنا يبدأ الفصل الأول من هذا الارتباك، الذي دفع واشنطن وتل أبيب إلى البحث عن خطاب يغطي فراغاً أخلاقياً، خطاب يلتف حوله الجنود، ويصدّق عليه الشعب، ويمنح الحرب معنى.
لكن الحرب ( كما كتب الكاتب الفرنسي لوران جاكو في تحليله عن صراعات ما بعد الحرب الباردة ) لا تُخلق بقوة السلاح وحده، بل بقوة السرد الذي يسبق الطائرات الحربية والصواريخ ويبررها. وقد حاولت الإدارة الأمريكية أن تصوغ سرداً جديداً، لكن ما وجدت إلا شعارات فضفاضة عن الأمن ودرء الخطر المستقبلي، معتمدة على لغة دفاعية عن مصالح بعيدة عن واقع الحياة اليومية للمواطن الأمريكي.
هذه الفجوة في السرد ، كما يشير الصحفي البريطاني أندرو بيسيفيتش في مقالاته في صحف عالمية، تجعل War Room (غرفة الحرب) شبيهة بفراغ استراتيجي لا تحكمه معطيات ثابتة ، بل نزعات انتخابية ومناورات سياسية ، حتى أن خطاب القادة بات أقرب إلى بيانات شركات دولية تعلن عن صفقات مالية كبرى، وليس بيانات استراتيجية عن أمن قومي.
وعندما فشلت الشعارات السياسية في خلق سرد مقنع، تحوّل البعض إلى اللغة الرمزية، محاولة توظيف الدين في حرب سياسية، لملء الفراغ الأخلاقي بشعارات كبرى. فكرة أن الحرب “مباركة” أو أنها امتداد لمعركة كونية بين الخير والشر، كما تناولها بعض المحللين في صحيفة الغارديان البريطانية، هي محاولة لتعويم حرب بلا قضية واضحة. لكنها في النهاية تثير السخرية أكثر من الإيمان، كأن السماء نفسها تُستدعى لتبرير قرارات الأرض.
أما من زاوية أخرى، فقد أشار الباحث الأمريكي آولي راندال في تحليله لسياسات الشرق الأوسط إلى أن كل تدخل خارجي يحمل في طياته مخاطر غير محسوبة، لأن أنظمة المجتمع هناك تحكمها تركيبات تاريخية وثقافية لا تقاس بمعايير القوى الكبرى. وإيران ليست استثناءً، بل أكثر تجذراً من أن يُفهم عبر منطق القوة وحده.
التحريك العسكري الذي يرتفع في سماء المنطقة اليوم، كما كتب محمد الصالح في الشرق الأوسط، هو مجرد جزء من صراع أعمق، صراع على الزمن، على النفوذ، وعلى إعادة تشكيل الهويات بعد سنوات من الانقلابات والتحولات. إيران، في هذا السياق، صارت ليس فقط خصماً عسكرياً، بل مشروعاً ثقافياً وسياسياً يمتد في بنى المجتمع، يجعل أي ضربة عابرة تُستثمر داخلياً لصالح التماسك الوطني أكثر مما تُضعفه.
هناك أيضاً التحليل الذي قدمه إيمانويل والرشتاين في نظريته حول أنظمة العالم، حين يرى أن القوى الكبرى لا تنهار بسبب هزيمة واحدة، بل بسبب تراكم قرارات توسعية لا تتناسب مع محدودية قدراتها الواقعية. وبالتالي، فإن السياسة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط ليست مجرد تصعيد عسكري، بل تراكم من القرارات التي فُرضت تحت شعار الأمن والحفاظ على المصالح، لكنها أنتجت عبر الزمن حالة من الاستنزاف الذي يفوق المكاسب.
وإذا نظرنا إلى الصحافة الأمريكية نفسها، نجد كُتاباً مثل توماس فريدمان في نيويورك تايمز يقولون إن صناعة الحرب اليوم أصبحت أكثر ارتباطاً بالسياسة الداخلية منها بأي تهديد خارجي محسوس. الحرب تتحول إلى أداة ضغط انتخابي، وساحة لتصفية حسابات سياسية، وهذا ما يفسر تصريحات تتغير بتغير هجمات التغريدات أكثر من تغيرها بتغير مسار المعارك.
النتيجة التي نصل إليها ليست مجرد وقائع متفرقة، بل استنتاج تكاملي: هذه الحرب لا تُدار بسرد مقنع، ولا تُدار باستراتيجية واضحة، بل تُقاد بصياغات إعلامية وسياسية تحاول جسر فراغ معنوي عميق. الولايات المتحدة، التي عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تبرر الحروب الكبرى ( من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة ) تجد نفسها اليوم في مواجهة حرب بلا قناعة حتى لدى صناعها.
والشرق الأوسط، كما وصفه المفكرون العرب المعاصرون، ليس رقعة شطرنج تُعاد رسمها بالقوة، بل فسيفساء ثقافات وهويات وتاريخ متداخل، أي تغيير قادم من الخارج سيخلق دائماً نتائج غير متوقعة، ربما أكثر إيلاماً من الواقع الذي حاولوا تغييره.
الحرب اليوم في المنطقة ليست دفاعاً عن أرض أو حرية، ولا حتى ردعاً واضح المعالم، بل هي مجال للتجربة السياسية المتعثرة، فضاء لتحولات كبرى لم تفهمها بعد القوى التي قررت دخولها. وسواء نعلم ذلك أم لا، فإن التاريخ يكتبنا أكثر مما نكتبه نحن، والحرب، حين ينهار سردها، تبقى كسماء بلا نجوم، لا تهتدي بها ولا تهدينا.