ضياء أبو معارج الدراجي
يخرج علينا الرئيس الأمريكي ترامب ليطلق تصريحات جديدة يدّعي فيها أن الولايات المتحدة ستجعل ايران أكبر وأقوى اقتصادياً، وأن ذلك سيأتي بعد ما يسميه استسلاماً غير مشروط، يعقبه اختيار قائد عظيم ومقبول.
هذا الكلام ليس مجرد تصريح سياسي عابر، بل هو تجسيد واضح لعقلية الهيمنة التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود طويلة. فالرؤساء في واشنطن يتغيرون، لكن الأكذوبة تبقى نفسها: تدمير الدول باسم الحرية، واحتلال الشعوب باسم الديمقراطية، وفرض الهيمنة تحت شعار بناء الدولة العظيمة.
لقد قيلت هذه الكذبة مراراً من قبل. قيلت عندما غزت الولايات المتحدة افغانستان. يومها وعدوا الشعب الأفغاني بالحرية والازدهار وبناء دولة قوية حديثة. لكن بعد عشرين عاماً من الاحتلال والحروب، كانت النتيجة بلداً منهكاً واقتصاداً مدمراً ومجتمعاً غارقاً في الفقر، ثم انسحبت القوات الأمريكية تاركة خلفها الخراب وكأن شيئاً لم يكن.
والكذبة نفسها تكررت عندما اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام 2003. رفعت واشنطن آنذاك شعارات “تحرير العراق” و”بناء الديمقراطية”. لكن ما حدث في الواقع كان تدميراً لدولة كاملة: مؤسسات انهارت، بنية الدولة تفككت، ثروات نُهبت، ودماء سالت لسنوات طويلة، بينما بقي الشعب العراقي يدفع ثمن تلك المغامرة العسكرية حتى اليوم.
إن سجل الرؤساء الأمريكيين يكشف الحقيقة بوضوح. من بوش الابن والاب إلى اوباما وصولاً إلى ترامب، تختلف الأسماء لكن السياسة واحدة: حروب وتدخلات وعقوبات تُسوَّق للعالم على أنها مشاريع إنقاذ وبناء.
فأي خداع أكبر من أن يتحدث رئيس أمريكي عن “إنقاذ” دولة بينما تاريخ بلاده مليء بتدمير الدول؟ وأي مفارقة أشد من أن يدّعي بناء اقتصاد قوي لشعب آخر بينما أدوات واشنطن الأساسية هي الحصار الاقتصادي والحروب والعقوبات؟
إن من دمّر البلدان لا يمكن أن يكون منقذاً لها. ومن اعتاد إشعال الحروب لا يستطيع أن يتحول فجأة إلى صانع نهضة اقتصادية. الحقيقة أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى بناء دول عظيمة، بل إلى إخضاع الدول وإبقائها تحت نفوذها السياسي والاقتصادي.
أما حديث ترامب عن اختيار قائد لإيران بعد “الاستسلام”، فهو تعبير صريح عن عقلية استعمارية ترى أن الشعوب لا تملك حق تقرير مصيرها، وأن واشنطن يمكنها أن تقرر من يحكم هذا البلد أو ذاك.
لكن تجارب العقود الماضية كشفت زيف هذه الادعاءات. فالشعوب التي رأت ما فعلته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وغيرها من البلدان تدرك جيداً أن الوعود الأمريكية لا تبني أوطاناً، بل تفتح أبواب الفوضى والخراب.
لهذا فإن ما يقوله ترامب اليوم ليس مشروعاً لإنقاذ إيران، بل تكرار لخطاب قديم استُخدم مراراً لتبرير التدخلات العسكرية والسياسية. خطاب يبدأ بوعود براقة عن الحرية والازدهار، وينتهي دائماً بدول مدمرة وشعوب تدفع ثمن تلك الأكاذيب.
ضياء ابو معارج الدراجي