بقلم: مهدي عقبائي
في ساعاتٍ معدودة، انتقل نظام ولاية الفقيه من ادّعاء “الشرعية الدينية” إلى واقعٍ أقرب ما يكون إلى “سلطنة وراثية” مغلقة. تنصيب مجتبى خامنئي لم يأتِ كمسارٍ طبيعي لتداول السلطة، بل كإجراءٍ متعجّل يهدف إلى سدّ فراغٍ يتّسع داخل النظام، وإلى تطويق أزمة شرعية تتفاقم على وقع الغضب الشعبي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
هذه الخطوة، في جوهرها، ليست سوى محاولة مكشوفة لإعادة تدوير الاستبداد بصيغةٍ عائلية؛ كأن الدولة مُلك خاص يُنقل داخل بيتٍ واحد. وفي هذا المشهد، يستعيد الإيرانيون تجربةً عرفوها جيدًا قبل عقود: حين فقدت ديكتاتورية الشاه في 1979 أي رصيدٍ من المصداقية لدى المجتمع، فانهارت رغم أدوات القمع. واليوم، يُظهر تنصيب مجتبى أن النظام يكرر منطق “الاستحواذ” ذاته، ويؤكد أنه عاجز عن الإصلاح الحقيقي أو التحول البنيوي.
لا يقدّم مجتبى خامنئي نفسه بوصفه “وجهًا جديدًا”، ولا يتعامل معه النظام كخيارٍ يفتح أفقًا سياسيًا مختلفًا. على العكس، فالرجل—وفق ما راكمه خلال أكثر من ثلاثة عقود—كان جزءًا محوريًا من ماكينة السلطة: إدارة القمع الداخلي، الإشراف على الأجهزة الأمنية، والمشاركة في رسم السياسات التي اعتمدت تصدير الأزمات إلى الخارج. لذلك يبدو “التوريث” هنا امتدادًا لطريقة حكمٍ واحدة: القبضة الأمنية أولاً، ثم التحكم بالاقتصاد ومفاصله، ثم نهب الثروات وإغراق المجتمع في دائرة الفقر والبطالة والتهميش.
وخلال السنوات الماضية، تعمّقت هذه المنظومة حتى أصبحت معيشة الإيرانيين مرآة واضحة لنتائجها. الفئات التي دفعت الثمن الأكبر كانت النساء والطبقات الكادحة: من العمال والمزارعين إلى المعلمين والممرضين والمتقاعدين. إنها فئات تعيش ضغط التضخم وتآكل الدخل وانسداد الأفق، فيما تُحكم السيطرة على الموارد عبر شبكات نفوذ تتغذى من الاقتصاد والسلطة معًا.
غير أن الرهان التقليدي للنظام—أي إخضاع المجتمع بالقمع وحده—لم يعد مضمون النتائج. فإيران في السنوات الأخيرة شهدت موجات متتالية من الانتفاضات الشعبية، تقول بوضوح إن الشارع لا يرفض فقط أداء السلطة، بل يرفض “نموذجها”: رفض الديكتاتورية بلباسٍ ديني، كما يرفض أي عودة إلى واجهة شاهنشاهية. وهذه نقطة جوهرية، لأن محاولة “التوريث” لا تُقرأ فقط كتغيير شخصٍ بشخص، بل كتأكيدٍ على أن النظام يهرب من إرادة الناس، ويستبدلها بمعادلة العائلة والأجهزة.
من هنا، يظهر الفرق بين انتقال السلطة بوصفه “استمرارًا للاستحواذ” وبين انتقالها بوصفه “عودة للسيادة الشعبية”. فالإيرانيون الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة يدركون أن مستقبل البلاد لا يُبنى على وراثةٍ جديدة، بل على جمهورية ديمقراطية تقوم على الاقتراع الحر وسيادة القانون، وعلى ضمان الحقوق الأساسية لكل المواطنين.
وفي هذا السياق تكتسب فكرة المرحلة الانتقالية معناها السياسي. فالحديث عن حكومة مؤقتة محددة بستة أشهر—كما أعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية—يُطرح بوصفه آلية لإدارة انتقالٍ ديمقراطي منظم، لا بوصفه استيلاءً على السلطة. الهدف المعلن هو فتح الطريق أمام الشعب ليقرر مصيره عبر انتخابات حرة ونزيهة، وصياغة قواعد دولة جديدة تُنهي عقود الاستبداد وتمنع إعادة إنتاجه بأي قناع.
الخلاصة أن الأنظمة التي تفقد شرعيتها الشعبية لا ينقذها تبديل الوجوه، ولا ينقذها توريث الحكم داخل العائلة. تنصيب مجتبى خامنئي لا يبدو “حلًا” بقدر ما هو إعلانٌ عن ضيق الخيارات داخل النظام، وعن محاولة لشراء الوقت في لحظةٍ تتقدم فيها إرادة الإيرانيين نحو الحسم. وفي نهاية المطاف، لن يكتب مستقبل إيران ورثة الاستبداد، بل الشعب الإيراني نفسه—بإرادته الحرة ونضاله المستمر من أجل الحرية والديمقراطية.