أصل كلمة الأمن وحفظه وعلاقته بالانسان في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع اسلام ويب عن ألفاظ (الأمن) في القرآن: وردت لفظ (الأمن) في القرآن في نحو سبعة وعشرين موضعاً، و باشتقاقات متعددة، فورد على صيغة (المصدر) في أربعة مواضع، منها قوله تعالى: “وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا” (البقرة 125)، وجاء على صيغة اسم الفاعل، كـ (صفة) في خمسة مواضع، منها قوله سبحانه: “رب اجعل هذا بلدا آمنا” (البقرة 126)، وجاء (اسماً) في أربعة مواضع، منها قوله تعالى: “وإذا جاءهم أمر من الأمن” (النساء 83)، وجاءت (فعلاً) في أربعة عشر موضعاً، منها قوله سبحانه: “فإذا أمنتم” (البقرة 196). ولفظ (الأمن) جاء في القرآن الكريم على معان ثلاثة: أحدها: بمعنى الأمانة الذي هو ضد الخيانة، وعليه قوله سبحانه: “فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته” (البقرة 283)، يعني: فليعطِ المؤتمن ما اؤتمن عليه من أمانة. ونحوه قوله سبحانه: “ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك” (آل عمران 75)، أي: إن بعض أهل الكتاب فيهم أمانة، يؤدونها مهما كثرت. ثانيها: بمعنى الأمن المقابل للخوف، ومنه قوله تعالى: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن” (الأنعام 82)، والمعنى: أن الذين آمنوا بالله، ولم يشركوا به، آمنون من عذابه يوم القيامة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ونحو ذلك قوله سبحانه: “ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا” (آل عمران 154)، يعني: أمناً، والأمن والأَمَنَة بمعنى واحد، أي: أنزل على المؤمنين أماناً بعد الخوف الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عَددهم وعُددهم. ثالثها: بمعنى المكان الآمن، ومنه قوله سبحانه: “وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه” (التوبة 6)، أي: أبلغه موضع أمنه: وهو دار قومه، أو منـزله الذي فيه أمنه. ونحو ذلك قوله تعالى: “وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا” (البقرة 125)، أي: مكاناً آمناً للناس. والمتأمل في هذه الألفاظ القرآنية الثلاثة، يجد أنها على صلة وثيقة فيما بينها، فكل لفظ منها يتضمن معنى اللفظ الآخر بنحو ما، فـ (الإيمان) يفيد الطمأنينة والسكينة والأمان، و(الأمانة) تفيد التصديق بمن تأمنه على شيء، والاطمئنان له، و(الأمن) يفيد أن تصدِّق بمن يؤمِّنك على نفسك وأهلك، وتأمنه في كل ما تملك.

وردت كلمة أمن ومشتقاتها في القرآن الكريم: يُؤْمِنُونَ آمَنَّا بِمُؤْمِنِينَ آمَنُوا آمَنَ أَنُؤْمِنُ وَآمِنُوا نُؤْمِنَ يُؤْمِنُوا أَفَتُؤْمِنُونَ مُؤْمِنِينَ إِيمَانُكُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَأَمْنًا آمَنتُم وَلْيُؤْمِنُوا أَمِنتُمْ يُؤْمِنَّ مُؤْمِنَةٌ مُؤْمِنٌ الْمُؤْمِنِينَ وَيُؤْمِن تُؤْمِن أَمِنَ اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الْمُؤْمِنُونَ تُؤْمِنُوا تَأْمَنْهُ لَتُؤْمِنُنَّ إِيمَانِهِمْ وَتُؤْمِنُونَ أَمَنَةً لِلْإِيمَانِ إِيمَانًا فَآمِنُوا فَآمَنَّا الْمُؤْمِنَاتِ بِإِيمَانِكُم الْأَمَانَاتِ تُؤْمِنُونَ الْأَمْنِ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا لِمُؤْمِنٍ مُؤْمِنًا وَآمَنتُمْ لَيُؤْمِنَنَّ. جاء في معاني القرآن الكريم: أمن أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ (الأنفال 27)، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض﴾ (الأحزاب 27) قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة (راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/669)، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإن العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلم كل ما في طوق البشر تعلمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضل على كثير ممن خلقه.

وعن المجلس الاسلامي السوري أمن الإنسان في ضوء القرآن للدكتور محمد محمود كالو: مِن أرقى النعم الكبرى على جميع المخلوقات من إنس وجنٍّ وحيوان نعمةُ الأمن، وقد جعله الله تعالى نعمة جليلة، وتفضل به على خلقه، وبدونها لا استقرار ولا راحة ولا سعادة، لذلك تبذل المجتمعات البشرية جميع إمكانياتها لاستتباب الأمن لعلمها أن نعمة الأمن مقدمة على مطالب الحياة كلِّها، فالخائف لا يستمتع بغذائه ولباسه ومسكنه من دون توفير الأمن والطمأنينة، لذلك قرن الله تعالى بين الطعام والأمن في معرِض حديثه عن النعم التي أنعم بها على قريش، فقال سبحانه وتعالى: “فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَـٰذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ” (قريش 3-4) ومن هنا يكون فقد الأمن نقمة ينتقم الله تعالى بها من بعض خلقه من عاصين أو كافرين. وتحتاج الشعوب والدول إلى ضمان أمنها النفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري فضلًا عن أمنها الخارجي، وما لم يتحقق لها ذلك لن تتمكن من النهوض والتطلع إلى المستقبل بل يظل الخوف مهيمنًا على خطواتها مقيدًا لتطلعاتها، فحين يضطرب نظام الأمن في بلدٍ ما، وتختل عوامل السيطرة على تصرفات المجتمع، فإن الفوضى ستكون سيدة سائدة، وتُمْنَى الأنفس والأموال والأعراض بالسفك والبطش والهتك، وفي عصرنا الراهن مشاهد حية لاضطراب الأمن في عدة بلدان إسلامية، نسأل الله لها الفرج القريب، وعلينا أن نعلم أن الأمن المطلق لا يتحقق للإنسان في الحياة الدنيا، فالأمن المطلق لا يكون إلا في دار النعيم التي وعد الله بها عباده الصالحين، فقال تعالى: “ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ” (الحجر 46). ويمكن تعريف الأمن بأنه (شعور الإنسان بالسكينة والطمأنينة على حاجاته الدنيوية والأخروية وبدون تكلفة منه عند توفر أسبابه) وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (أن الأمن عند فقهاء المسلمين ما به يطمئن الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويتجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمتهم).

وعن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي مَقْصِدُ حِفْظِ اْلَأمْنِ في الْقُرْآنِ الكَرِيمِ للكاتب عبد الكريم بن محمد الطاهر حامدي: جاءت نصوص القرآن حافلة بتعظيم شأن الأمْن، وتنوّعت أساليب الدلالة على أهميته في حياة الإنسان، ومن ذلك امتنانه تعالى على المسلمين بنعمة الأمن في البلد الحرام: “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ” (البقرة 125)، أي: (يأمن به كل أحد، حتىّ الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار). ودعا إبراهيم عليه السلام ربّه، أن يجعل البلد الحرام آمنا، “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا” (البقرة 126)، أي: (أن يكون محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بالسّوء). وامتنّ على قريش بهذه النِّعمة: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ” (العنكبوت 67)، أي: (يأمن فيه ساكنه من الغارة، والقتل، والسبي، والنهب، فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيره من العرب، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها). كما امتنّ الله على القوم الغابرين بأمْن القرى والبلدان، كامتنانه على أهل مصر في عهد يوسف بالأمن: “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ” (يوسف 99)، أي: (من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارّة، وزال عنهم النّصب ونكد المعيشة، وحصل السّرور والبهجة).ومن ذلك أمْنُ الطّرقات والسّير فيها ليلا من غير خوف: “وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ” (سبأ 18)، أي: (لا تخافون عدوّا ولا جوعا ولا عطشا). وكذلك أمْنُ المعَاش: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل 112)، وهذه القرية هي: (مكّة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد وكانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان). كما أشار القرآن إلى أمْنِ القبيلة والجماعة في قوله: “فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ” (قريش 3-4)، والمراد هنا قريش، وفي الآية دليل على أن (رغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى). وكذلك أمْنُ العمران من بناء الدُّور، وإقامة الحدائق، واستثمار الزرع، والثمر، وغيرها من المرافق: “أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ” (الشعراء 146-148)، وفي هذا: (تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة، لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يتذوق طعم النِّعم الأخرى إلا بها). كما أشار القرآن إلى الأمن في المعاملات بين الناس، كترْك توثيق الدّيون بالكتابة، والإشهاد، والرّهن، عندما يأمَنُ الناس بعضهم بعضا، فقال: “فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ” (البقرة 283)، أي: (إن أمِنَ كل من المتداينين الآخر، أي وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن. والأمانة: مصدر آمنه، إذا جعله آمنا، والأمن: اطمئنان النفس وسلامتها مما تخافه). وامتنّ الله على المؤمنين بالأمَنَة من العدوِّ أثناء الحرب: “ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ” (آل عمران 154)، يعني: (أمْنا، والأمْن الأمنة بمعنى واحد، وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمَنَة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما).