خالد الغريباوي
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى مأزق شامل على الصعيد الإقليمي والدولي. فالمواجهة الحالية تتجاوز الضربات المباشرة لتشمل استراتيجية “المناطق الرخوة” التي أعلن عنها المرشد الايراني الجديد مجتبى خامنئي، والتي تهدف إلى استهداف نقاط ضعف خصوم إيران الاقتصادية والعسكرية، ما يرفع مستوى التهديدات إلى حد يشعل المخاوف حول شل شرايين الطاقة العالمية.
في واشنطن، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيده، مؤكداً أن هدف المواجهة هو القضاء الكامل على ما يسميه “الإمبراطورية الإيرانية الشريرة”، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إن القضاء على إيران أهم من النفط نفسه، في إشارة واضحة إلى أن الصراع يتجاوز مصالح الطاقة ليصبح معركة نفوذ استراتيجية شاملة في الشرق الأوسط.
في المقابل، جاء خطاب مجتبى خامنئي أكثر حدة ووضوحًا، حيث ركز على ضرب “المناطق الرخوة لدى العدو”، بما يشمل الممرات البحرية الحيوية، البنية التحتية، والاقتصاد العالمي. هذه الاستراتيجية تعني أن الحرب لن تقتصر على الاشتباكات التقليدية، بل ستشمل ضغطًا اقتصاديًا واستراتيجيًا على خصوم إيران، بما قد يشل التجارة العالمية ويضع المنطقة على حافة صدمة كبيرة.
وتشير التهديدات الإيرانية إلى احتمال توسيع دور الحوثيين في اليمن، بحيث يصبح مضيق باب المندب هدفًا مباشرًا لتعطيل الملاحة أو حتى الإغلاق الكامل للممر، ما سيؤثر مباشرة على حركة السفن المتجهة نحو قناة السويس ويضع التجارة العالمية أمام أزمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة والشحن البحري.
إضافة إلى ذلك، فإن خطر تعطيل مضيق هرمز في نفس الوقت يعني أن الخليج قد يتحول إلى ساحة مواجهة استراتيجية، حيث تكون اقتصادات دول المنطقة الأكثر هشاشة أمام أي صدمة في أسواق النفط والغاز. المنشآت الحيوية والموانئ ومحطات التصدير قد تصبح أهدافاً محتملة في هذه الحرب متعددة الجبهات.
ويضيف التصعيد الإيراني إشارات إلى الفصائل المسلحة في العراق، ما قد يحول البلاد إلى ساحة ضغط جديدة على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ويزيد من صعوبة أي مسار لإنهاء الصراع. كلما توسعت الجبهات، أصبح التراجع الأمريكي أو أي قوة دولية أكثر تعقيدًا، وزادت كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية بشكل هائل.
التاريخ يظهر أن التفوق العسكري وحده لا يضمن حسم الحرب سريعًا. فقد واجهت الولايات المتحدة مأزقًا مشابهًا في حرب فيتنام، وواجه الاتحاد السوفيتي أزمة استنزاف طويلة في الحرب السوفيتية في أفغانستان. وكلما استمر الصراع وتصاعدت لغة التهديد، أصبح إنهاء الحرب تحديًا بالغ الصعوبة.
في أسوأ السيناريوهات، قد تتحول المواجهة إلى شل شبه كامل للممرات البحرية الحيوية، حيث يصبح باب المندب ومضيق هرمز مسرحاً للتهديدات المباشرة، ما يعني توقف جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمي. وفي هذه الحالة، ستواجه دول الخليج صدمة مزدوجة: اقتصادها على المحك بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وأمنها الداخلي مهدد نتيجة احتمالية استهداف المنشآت الحيوية والموانئ.
أي توسع للصراع عبر الفصائل الحليفة لإيران في العراق واليمن ولبنان قد يحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مواجهة متعددة الجبهات يصعب السيطرة عليها، ما يجعل أي خطط للتهدئة أو التراجع تكاد تكون مستحيلة. وبهذا، لن تكون الحرب مجرد صراع عسكري بين دولتين، بل شبكة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي قد تشل العالم وتعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
في هذا الإطار، يبدو أن خطاب مجتبى خامنئي وتهديداته بضرب “المناطق الرخوة” يمثل إنذارًا مباشرًا بأن الحرب المقبلة لن تقتصر على القتال التقليدي، بل قد تتحول إلى كارثة اقتصادية وعسكرية تشمل دول المنطقة والعالم كله، بينما يواصل خطاب دونالد ترامب رفع سقف المواجهة، ليصبح مأزق الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أحد أخطر الأزمات التي يواجهها الشرق الأوسط منذ عقود.