تأليف الأفكار وتأليف العلاقات

​بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
١٣ اذا ٢٠٢٦
​في أروقة المؤسسات، حيث تُقاس المسافات أحياناً بمدى القرب من (المكتب الكبير) لا بمدى جودة العطاء، تولد قصص تمزج بين مرارة التهميش وحلاوة الإنجاز الموؤد. بدأت الحكاية بموظف بسيط، نذر ليله ونهاره بين بطون الكتب القانونية والمصنفات الفقهية، ليخرج بمولود معرفي رصين يجسد دراسة مقارنة بين الفقه والقانون العراقي. وحين حمله بكل فخر، ظاناً أن المؤسسة هي الحاضنة الأولى لأبنائها المبدعين، ووضعه بين يدي المدير العام، لم يجد سوى نظرة عابرة وكلمات باردة ومحبطة: (هذا كتاب ديني.. لو تعطيه للحوزة أفضل) ، وكأن الجهد البحثي العميق والتحليل القانوني الرصين قد اختُزل في تصنيف ضيق لمجرد الهروب من استحقاق التقدير.
​لكن المفارقة الدراماتيكية لم تتأخر كثيراً، فبعد فترة وجيزة، أطلّ أحد المقربين من دائرة المدير العام بكتاب كان (دينياً بحتاً) في مضمونه وتوجهه، دون أدنى مقاربة قانونية أو مؤسساتية. وهنا، تبدلت المعايير وانقلبت الموازين؛ فإذا بالمنصات الرسمية للمديرية تضج بالتهاني، وإذا بالمدير العام نفسه يتصدر المشهد مباركاً لهذا (النتاج العلمي العظيم) . لم يعد الدين هنا (مكانه الحوزة) ، بل صار جسراً للعبور وصكاً للتميز، فقط لأن هوية الكاتب تغيرت من (موظف بسيط) إلى (مقرب حظي بالرضا) .
​إن هذه الحادثة ليست مجرد موقف عابر، بل هي ظاهرة تحليلية تكشف عن خلل بنيوي في الإدارة الثقافية والمهنية داخل بعض المؤسسات، حيث يتم (تأليف العلاقات) قبل (تأليف الأفكار) . إننا أمام إشكالية تحويل الاستحقاق العلمي إلى حظوة شخصية، مما يؤدي إلى وأد الكفاءات الحقيقية وتجفيف منابع الإبداع لدى الموظف الذي لا يملك سوى قلمه وفكره. فعندما تُقيم النتاجات بناءً على (من كتب) لا (ماذا كُتب) تسقط القيمة المعرفية وتتحول المؤسسة إلى بيئة طاردة للعقول، ومنتجة لمظاهر الاحتفاء الشكلي.
​إن التفريق بين نتاج فكري رصين يُرفض بحجج واهية، وبين نتاج آخر يُحتفى به لمجرد صلة القربى، يعكس حالة من الازدواجية المعاييرية التي تقتل روح المبادرة. فالموظف البسيط الذي اجتهد في المقارنة بين الفقه والقانون كان يسعى لتقديم إضافة نوعية لثقافة المؤسسة وفهمها التشريعي، بينما الاحتفاء بالنتاج (المقرب) يعزز ثقافة التملق والمحسوبية على حساب الرصانة العلمية. إن العدالة المؤسساتية تقتضي أن يكون النتاج العلمي هو الحكم والفيصل، وأن تُفتح أبواب التقدير لكل من أضاف لبنة في صرح المعرفة، بعيداً عن حسابات القرب والبعد.
​ختاماً، لا بد من وقفة جادة لإعادة صياغة (بوصلة التقدير) داخل مؤسساتنا، لكي لا يتحول الإبداع إلى عبء على صاحبه. إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إرساء تقاليد مؤسساتية مهنية، تعتمد على تشكيل لجان علمية محايدة لتقييم النتاجات الفكرية للموظفين بمعزل عن مسمياتهم الوظيفية. إن الاحتفاء الحقيقي هو الذي يُمنح لمن استحق بفكره وقلمه، وليس لمن استقوى بصلاته وعلاقاته، فالمؤسسة التي تحترم عقول موظفيها البسطاء هي التي تضمن ديمومة التطور، أما التي تكتفي بتلميع المقربين، فإنها لا تصنع فكراً، بل تصنع صدىً فارغاً يزول بزوال المناصب. ليكن معيارنا دائماً: “ماذا قدمت؟” لا “من تعرف؟”.