جديد

أبرز جملة في بيان السيد السيستاني (دام ظله) هي: «دفع شر الأعداء».

ضياء ابو معارج الدراجي

إن بيان مكتب السيد علي السيستاني (دام ظلّه) عقب انتخاب القائد الجديد للجمهورية الإسلامية في إيران بعد رحيل سماحة آية الله السيد علي خامنئي (رضوان الله عليه)، ليس بيان مجاملة بروتوكولية عابرة، بل نص سياسي ـ ديني شديد الدقة، كُتب بميزان الكلمات، ويحمل في طياته رسائل استراتيجية تتجاوز حدود التعزية والتهنئة إلى رسم ملامح المرحلة القادمة.

أولاً: استحضار اسم القائد الراحل

افتتح البيان بعبارة:

«مع إحياء ذكرى القائد الراحل للجمهورية الإسلامية في إيران سماحة آية الله السيد علي خامنئي».

هذا الاستهلال ليس مجرد تأبين، بل تثبيت لثقل الرجل في معادلة المنطقة. فذكره بهذه الصيغة يؤكد أن مرحلة سماحة السيد خامنئي لم تكن مرحلة عادية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل كانت حقبة مواجهة مفتوحة مع المشاريع المعادية.

إحياء الذكرى هنا يحمل بعداً سياسياً واضحاً:

أن النهج الذي قاده سماحته لم يكن ظرفياً أو مؤقتاً، بل أصبح خطاً استراتيجياً ممتداً ينبغي أن يستمر مع القائد الجديد.

ثانياً: الشرعية المعنوية للقائد الجديد

استخدم البيان عبارة «خلفه الكريم» دون ذكر الاسم، وهي صيغة دينية تقليدية تحمل احتراماً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الدخول في التفاصيل السياسية الداخلية.

هذا الأسلوب يعكس منهج الحوزة العلمية في النجف الأشرف، التي تحرص دائماً على دعم الاستقرار في الدول الإسلامية من دون أن تبدو طرفاً في صراعات السلطة.

ومع ذلك فإن مضمون العبارة يحمل اعترافاً معنوياً واضحاً بشرعية القيادة الجديدة، وهو أمر بالغ الأهمية، لأن كلمة النجف، ممثلة بمرجعيتها العليا، لها وزن كبير في العالم الشيعي.

ثالثاً: جوهر الرسالة – دفع شر الأعداء

أبرز جملة في البيان هي: «دفع شر الأعداء».

هذه العبارة القصيرة تختصر المشهد بأكمله. فهي تعني أن التحدي الأساسي الذي تواجهه إيران ليس تحدياً داخلياً بقدر ما هو تحدٍ خارجي، وأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة مواجهة مع خصوم يتربصون بالجمهورية الإسلامية.

البيان لا يسمي هؤلاء الأعداء صراحة، لكنه يترك المجال للفهم الواضح بأن المقصود هو القوى التي تسعى منذ عقود إلى إضعاف إيران وإخضاعها عبر الضغوط العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية.

بعبارة أخرى، فإن المرجعية في النجف تدرك أن إيران تدخل مرحلة حساسة بعد رحيل قائدها التاريخي، وأن خصومها سيحاولون استغلال هذه اللحظة.

رابعاً: الحفاظ على الوحدة الوطنية

الفقرة الأخيرة في البيان: «الحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني» هي رسالة داخلية بامتياز.

فهي تضع أمام القائد الجديد أولويات المرحلة:

حماية البلاد من التهديد الخارجي.

منع أي انقسام داخلي يمكن أن يستغله الخصوم.

التاريخ يعلمنا أن أخطر لحظات الدول هي لحظات انتقال القيادة، إذ قد تظهر فيها الخلافات السياسية أو القومية أو الاقتصادية.

لذلك جاءت هذه العبارة بمثابة نصيحة استراتيجية واضحة:

إن قوة إيران الحقيقية لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو الصاروخية، بل في تماسك مجتمعها ووحدة شعبها.

خامساً: لغة النجف… دبلوماسية هادئة ورسائل عميقة

ما يميز هذا البيان أنه كُتب بلغة هادئة للغاية، لكنه يحمل مضامين عميقة.

فالمرجعية في النجف تاريخياً تعتمد أسلوب الكلمة القليلة ذات المعنى الكبير، لذلك استطاعت بضعة أسطر فقط أن تجمع بين:

التعزية بالقائد الراحل.

الإقرار المعنوي بالقيادة الجديدة.

التنبيه إلى الخطر الخارجي.

الدعوة إلى الوحدة الداخلية.

إن بيان مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظلّه) ليس مجرد تهنئة رسمية، بل وثيقة قصيرة ترسم ملامح المرحلة القادمة للجمهورية الإسلامية.

فهو يختصر المعادلة بثلاث كلمات مفصلية:

الاستمرار – المواجهة – الوحدة

الاستمرار في نهج القائد الراحل سماحة آية الله السيد علي خامنئي (رضوان الله عليه).

المواجهة مع الأعداء الذين يترصدون بالمنطقة.

الحفاظ على الوحدة الداخلية التي تشكل أساس الصمود.

وهكذا، وبأسلوب النجف الهادئ والعميق، وضع سماحة السيد السيستاني أمام القائد الجديد بوصلة واضحة:

أن معركة المرحلة ليست فقط مع الخارج، بل أيضاً مع كل ما يمكن أن يهدد تماسك إيران من الداخل.

ضياء ابو معارج الدراجي