رياض سعد
المشهد الأول: النشأة في رحم المحلة
في الأزقة القديمة من بغداد، حيث كانت البيوت تتكئ على بعضها كما يتكئ الفقراء على الأمل، وُلدت صداقة غريبة بين طفلٍ اسمه محمد ورجلٍ اسمه المُلّة ياسين… ؛ كانت العلاقة بينهما تشبه علاقات الجيران العادية؛ كانت أشبه بخيطٍ خفيٍّ بين عالمين: عالم الطين وعالم الروح .
كانت المحلة رحماً كبيراً يضم الجميع، وبيوتها المتلاصقة شرايين تنبض بالأطفال الذين يجوبونها كالكهرباء في أسلاك مكشوفة… ؛ في ذلك الزمن البعيد، زمن السبعينات الذي يلفه ضباب الحنين، كان محمد طفلاً لا يعرف أن الذاكرة ستصبح يوماً معبداً للغياب .
كان بيت الملة ياسين ملاصقاً لبيتهم، يفصل بينهما جدار رقيق يحمل أصوات البكاء في الليل وأصوات الضحك في النهار… ؛ كان الأطفال يدخلون البيوت بلا استئذان، فالقلوب كانت تسبق الأبواب في الانفتاح… ؛ نعم ,أن بيوت المحلّة كلها كانت متجاورة بالقلوب قبل الجدران… ؛ و كان الأطفال يركضون من بيتٍ إلى بيت كما لو أن الحيّ بيتٌ واحدٌ كبير، تتنقّل فيه الضحكات كما تتنقّل العصافير بين الأشجار… ؛ الأبواب مفتوحة، والقلوب أوسع من الأزقّة، والضجيج الطفولي يملأ الهواء كأنه صلاةٌ جماعية بريئة … .
لكن بيت المُلّة ياسين كان مختلفًا … ؛ كأنه محطة استراحة لأرواحهم المتعبة من لهو الطفولة… , له نكهة خاصة , كان الأطفال حين يدخلونه يشعرون بشيءٍ غامضٍ يتسلّل إلى صدورهم… ؛ كأن الزمن يبطئ، وكأن الصخب ينحني احترامًا لشيءٍ لا يُرى… ؛ عندما يدخلونه يشعرون بالراحة تغمرهم كالماء الدافئ، أصواتهم العالية تخفت، شجاراتهم الصغيرة تتبدد , ويحول تدافعهم الطفولي الى سكينة غير مفهومة… ؛ كانوا لا يدرون أن القداسة تنتقل بالعدوى، وأن جدران بيت يصلي فيه صاحبه خمسين عاماً تتشرب النور، ثم تبعثره على من يدخل .
وكان الملة ياسين يقف للصلاة كمن يقف على حافة الكون، يدعو الله ويبكي… ؛ بكاؤه لم يكن بكاء حزن، بل بكاء عشق، بكاء من اشتعلت فيه روحه حتى فاضت من عينيه… ؛ ولم يكن بكاء رجلٍ منكسر، بل بكاء رجلٍ يرى شيئًا لا يراه الآخرون… , كانت دموعه تسقط كما تسقط نجوم بعيدة في بحر الليل… ؛ كانوا يرونه قائماً في المحراب فيندهشون: كيف يمكن لإنسان أن يقف هكذا ساعات كمن يخاطب من يراه؟!
كان كالشجرة التي تمتص نور السماء بجذورها، إلا أن جذوره كانت في الأرض وقلبه في السماء .
وعندما كان ينتهي من صلاته، كان يستقبلهم بوجهه البشوش وضحكته الهادئة… ؛ لكن عينيه… آه من عينيه!
كانت تنظر إليهم لكنها ترى شيئاً آخر، شيئاً وراءهم، خلفهم، في أفق بعيد لا تراه العيون العادية… ؛ كانت عيناه تنظران إلى السماء بينما هو على الأرض، وكان تأمله أشبه بالشرود الذهني، أو الإغماء أحياناً، كمن يختطف من عالم إلى آخر، ثم يعود محملاً بأسرار لا يستطيع البوح بها … ؛ نعم , عيناه لم تكونا تنظران إلى الناس بقدر ما كانتا تنظران عبرهم، نحو السماء… ؛ وكثيرًا ما بدا وكأنه شاردٌ في تأمّلٍ طويل، حتى ليظن الناظر إليه أنه يغيب قليلًا عن العالم .
المشهد الثاني: الأسئلة التي لا تموت
كان الأطفال يسألونه عن الجنة: هل فيها دراجات هوائية؟ّ!
كان أطفال الحي فقراء، وفي سبعينيات القرن الماضي لم تكن الدراجة لعبةً سهلة المنال… , كانت حلمًا يدور في الأزقة ولا يُمسك به أحد .
كانوا فقراء، لا يملكون دراجات في الدنيا، فأرادوا أن يعوضوا في الجنة… ؛ كان يجيبهم بابتسامته الهادئة: “نعم”.
لم يكن يكذبهم، لأنه يعلم أن الله الذي خلق الورد في صحراء القلوب قادر أن يخلق الدراجات في جنات الخلود… ؛ كان يعلم أن الجنة ليست مكاناً، بل حالة، حالة تحقيق الرغبات التي طالما حلمت بها الأرواح المحرومة والنفوس المغبونة .
أما محمد فكان مختلفاً… ؛ كان يسأل أسئلة عميقة، أسئلة تقف النفس أمامها حائرة… ؛ في أحد الأيام سأله سؤالاً سيظل يلاحقه حتى الشيخوخة: أنت تقول: الله خالق، لأنه لا بد لكل شيء من خالق… ؛ فمن خلق الله؟!
ارتج الملة ياسين، ليس لأنه لم يعرف الجواب، بل لأنه عرف أن السؤال ليس سؤال طفل، بل سؤال روح بدأت تبحث عن الخالق قبل أن يكتمل نموها… ؛ تلعثم قليلاً، ثم أجاب بصوت خافت كأنه يهمس بسر كبير :
نعم، لا بد لكل مخلوق من خالق، ولكل مصنوع من صانع، ولكل مسبب سبب… ؛ هذه هي قوانين العالم الذي نراه… ؛ لكن هذه القوانين لا تنطبق على الله… ؛فلو قلنا إن لكل خالقٍ خالقًا قبله، فسوف نستمر في سلسلةٍ لا نهاية لها… وهذا ما يسميه العلماء التسلسل، والتسلسل باطل؛ لأن العقل لا يقبل سلسلةً بلا نهاية , فلا بدّ أن تنتهي السلسلة عند خالقٍ أول…؛ هو سبب الأسباب وعلّة العلل … ؛ هذا هو الله.
لم يفهم محمد كلام الملة ياسين بعقله، لكن روحه فهمته… ؛ هناك أشياء تفهمها الأرواح قبل العقول… ؛ كانت هذه الكلمات كنواة تزرع في عمقه، ستنمو معه، ستكبر مع السنين، وستثمر في لحظات الحيرة والبحث … ؛ فقد سكنت تلك الكلمات روحه , وكبرت معه ,كبرت كما تكبر البذور في تربةٍ لا يعلم صاحبها أنها تحمل غابة… .
المشهد الثالث: معركة الروح مع المادة
تعلم محمد الصلاة على يد المُلّة ياسين، وكان في الثامنة حين وقف لأول مرة بين يدي الله، يقلّد صوت الرجل الذي كان يبكي في الليل .
لكن حياة المُلّة لم تكن هادئة كما يظن الأطفال … ؛ فقد كانت زوجته، خيرية، ترى العالم بعينٍ أخرى…
كانت خيرية امرأة من هذا العالم، جسدها هنا، وقلبها هنا، وأحلامها هنا… ؛ كانت ترى الدنيا بما فيها من ذهب وفضة ومتاع، وكان الملة ياسين يرى ما وراءها… ؛ كانت تسأله: لماذا لا تطور نفسك مادياً … ؛ كل النساء تلبس الذهب إلا أنا …؟!
فيجيبها: ألستِ تأكلين وتشربين وتنامين في بيت دافئ والدار ملكنا؟ أليس لنا أثاث وطعام؟ لماذا لا تقنعين؟ إن الشكوى من النعمة كفر بها .
فيخرج من درج الخشب مالًا كثيرًا ويعطيها … ؛ ويقول لها : خذي… واشتري ما تريدين من الذهب ، ولا تشتكي …
ثم تعود تشتكي من غلاء الحياة… ؛ شكواها لم تتوقف قط , تشتكي من كل شيء …
وفي أحد الأيام، انفعل الملة على غير عادته، وغضب المُلّة غضبًا لم يعرفه الناس عنه من قبل… ؛ وأخرج نقوداً ومزقها إرباً إرباً أمام عينيها… ؛وقال لها :هذا هو ربّك الذي تعبدينه… ؛ المال سأمزّقه لعلّك تتحررين من عبوديته … ؛ أريدك أن تعرفي أن المال مجرد وسيلة، لا يصبح إلهاً إلا حين نعبده .
صدمت خيرية، رأت تصرفه تافهاً، سفيهًا… ؛ لم ترَ في ذلك زهدًا … ؛ و ازدادت جشعاً، وازداد هو زهداً… ؛ كانت معركتهما معركة قديمة، معركة الروح مع الجسد، معركة البقاء مع الفناء… ؛ كانا كمن يسيران في اتجاهين متعاكسين، يبتعدان يوماً بعد يوم، حتى لم يعد بينهما سوى الشجار الذي أصبح طقساً يومياً كغروب الشمس.
صبر عليها، وصبرت عليه، حتى كبر الابناء , و زوّج بنتيه : كريمة وابتسام ، ولم يبق في البيت سوى الأولاد الثلاثة: طه، وحسن، وصادق… ؛شعر المُلّة ياسين أن الدار لم تعد تتسع لروحه … ؛ عندها قرر الهجرة إلى النجف الأشرف .
كانت الهجرة إلى النجف عند العباد والزاهدين مثل الموت الاختياري… ؛ كانوا يتركون الدنيا طواعية قبل أن تتركهم… ؛ كانوا يهاجرون إلى حيث الجو الروحي الصافي، حيث يمكن للروح أن تتنفس بلا رئتين… ؛ هاجر إلى النجف، إلى حيث المراقد المقدسة والدروس الدينية , وحلقات الذكر , والمحاضرات الاخلاقية والعرفانية , والقلوب المتعبة التي تبحث عن الراحة والخلاص …
المشهد الرابع: الاختفاء الكبير
كان الناس يقولون عن من يهاجر إلى النجف :إنه طلق الدنيا .
هناك، في الأزقة الضيقة حول الضريح العلوي العالي ، عاش المُلّة ياسين حياة أشبه بالصومعة … ؛ لكن القدر كان يخبئ له امتحانًا أخيرًا …
في النجف، كان ياسين يعيش حياته الجديدة، حياة الصلاة والتأمل والذكر … ؛ كان ابنه صادق، آخر العنقود، يزوره بين الحين والآخر… ؛ كان يحبه حباً جماً، كان يراه كغصن أخضر في شيخوخته، كأمل يتجدد … .
وفي عام 1991، اندلعت الانتفاضة الشعبية في العراق … ؛ جاء صادق لزيارته فجأة، فخاف عليه… ؛ كانت الأخبار تصل عن تقدم القوات العسكرية وعناصر الاجهزة الامنية والبعثية والحرس الجمهوري وقوات الطوارئ الاجرامية ، عن القتل، عن الاعتقالات , عن الاعدامات الميدانية , عن القصف العشوائي …؛ عندها
قرر العودة به إلى بغداد .
خرج الأب وابنه من النجف متجهين إلى بغداد… ؛ وفي الطريق، بين النجف وكربلاء، رأوا سيطرة عسكرية… ؛ أوقفتهما ؛ كان الجنود يرتدون البدلات الزيتونية، على رؤوسهم ( الشطافي , الشماغ ) الحمراء، وجوههم تقطر حقداً، وعيونهم يتطاير منها الشرر الطائفي والعنصري المقيت … ؛ كانوا يصيحون، يضربون، يقتلون، يعتقلون …
رأوا صادق فصاحوا به : ها أنت… , أكنت من الغوغائيين الخونة المجرمين ؟!
ارتبك الفتى , ولم يجب .
قال المُلّة ياسين : انه صبي , لا يعرف شيئاً .
رد أحد الجنود:اسكت أيها الكلب النجس … ؛ واضح أنك من رجال الدين… ؛ اسكت وإلا قطعناك إرباً …!!
سحبوا صادق من بين يدي أبيه، وذهبوا به إلى جهة مجهولة .
اختفى صادق … ؛كما تختفي قطرة ماء في بحرٍ أسود .
عاد المُلّة إلى صومعته في النجف… ؛ لكنه لم يعد كما كان… ؛ عاد وهو يبكي ويستغفر ويحمد الله ويشكره و لا يندب حظه… ؛ كان يدعو الله أن ينجي ابنه، لكن الدعاء كان يرتد إليه كالصدى في صحراء موحشة… ؛ كان يعلم، يعلم علم اليقين أن الشيعي الذي تعتقله أجهزة صدام لا يعود أبداً… ؛ كان يعرف ذلك من قصص كثيرة، من عائلات كثيرة، من أمهات كثيرات فقدن أبناءهن إلى الأبد … ؛ لذلك لم يبحث عن واسطة ولم يسأل عن مصير صادق ولم يصرف الاموال كما يفعل البعض ؛ كان يعرف أن من تأخذه تلك الأيدي القاسية لا يعود … .
المشهد الخامس: خيرية بين البكاء والموت
جاءت خيرية بعد انتهاء الأحداث مع ابنيها : طه وحسن إلى النجف… ؛ كانت تبحث عن صادق، تظن أن الملة يخفيه… ؛ صدمت عندما عرفت الحقيقة، صرخت، عوت، لطمت وجهها… ؛ و لم تكن تعلم أن البكاء المزمن يمكن أن يتحول إلى مرض، إلى عمى، إلى موت … .
بحثت عن وساطات، عن محسوبيات، اتصلت بعناصر من الامن وحزب البعث … ؛ بحثت عن أي طريق يوصلها إلى ابنها… ؛ كانت تتوسل للناس، تسأل هذا وذاك، لكن لا أحد يعرف… ؛ ولا أحد يريد أن يعرف… ؛ في زمن الطغيان الطائفي الصدامي ، المعرفة نفسها كانت جريمة لا تغتفر يحاسب عليها …!!
أما الملة ياسين، فلم يفعل شيئاً… ؛ كان يجلس في صومعته، يدعو، يبكي، يسلم أمره لله… ؛ كان يعلم أن البحث عبث، وأن الوساطات وهم، وان صرف الاموال استنزاف يضاف الى عقوبات المعتقلين وذويهم … ؛ و أن الأمل في زمن القتل هو من أكبر الأكاذيب … .
ماتت خيرية بعد سنوات من البكاء والعويل والنوح واللطم …
ماتت خيرية قبل سقوط المجرم صدام بسنة… ؛ ماتت من البكاء، من الحزن، من الكمد… ؛ كان بصرها قد ضعف كثيراً، لكنها كانت ترى صادق في كل مكان، تراه في الظل، في الضوء، في النوم، في اليقظة…
كانت نساء الجنوب يمتْنَ هكذا، يمتْنَ كمداً على أولادهن المفقودين والمقتولين والشهداء والمعتقلين والمعدومين والمعاقين ، كأن الحزن في جنوب العراق وراثة تنتقل من أم إلى أخرى … .
المشهد السادس: الشيخوخة والضياع
بعد سقوط صدام، ذهب الملة ياسين مع أولاده يبحثون عن صادق في أضابير الأجهزة الأمنية… ؛ كانت هذه وصية خيرية الأخيرة: ابحثوا عن ابني… بحثوا في كل مكان، في السجلات، في التقارير، في المقابر الجماعية… ؛ لم يجدوا له أثراً… ؛ كان صادق قد اختفى في الثقب الأسود للتاريخ، في ذلك الفراغ الذي تبتلع فيه الأنظمة الشمولية البشر ثم تنكر وجودهم …!!
عندها رجع الملة ياسين إلى صومعته في النجف… ؛ لكن الزهايمر بدأ يأكله، يأكل ذاكرته، يأكل ماضيه، يأكل اسمه… ؛ أصبح ينسى من هو، وأين هو…
وفي أحد الأيام، ذهب إلى بغداد يبحث عن بيته القديم… ؛ ضل الطريق … ؛دخل منطقة الفضل في زمن الحرب الطائفية، في زمن كان الموت فيه يوزع بالهوية، بالاسم، بالانتماء .
وجدوه مذبوحاً، وكانت لحيته البيضاء تخضبت بدماءه الزكية … ؛ لكن ابتسامته المعهودة لم تفارق ثناياه… ؛ في قمة الموت، كان يبتسم… ؛ في قمة الفناء كان يضيء … ؛ كان كمن رأى ما لا يراه الاخرون .
المشهد السابع: الرؤيا
كان محمد قد كبر، وانتقل من المحلة القديمة إلى حي آخر… ؛ لكنه ظل يتابع أخبار الملة ياسين ؛وفي إحدى الليالي، وصل الخبر إلى مسامعه: مقتل الملة … ؛ انهارت قواه … ؛ وبكى طويلا كطفل صغير فقد اباه … ؛ وتذكّر الايام الخوالي … ؛ وتذكر الحضن الدافئ، تذكر الضحكة الهادئة … ؛ وتذكركيف كان المُلّة يمازحه ويحضنه، وكيف علمه الصلاة، وكيف فتح له نافذةً صغيرة على السماء … .
عرف في تلك اللحظة أن الملة ياسين كان أباه الروحي، الذي أخرجه من الظلمات المادية إلى الأنوار المعنوية .
نام محمد تلك الليلة والدموع على خديه … ؛وفي نومه، رأى رؤيا عظيمة :
رأى أبواب السماء تُفتح فتحًا عظيمًا …. ؛ لم تكن أبوابًا تشبه أبواب الأرض … ؛كانت أبوابا من نور ,كل باب أكبر من الدنيا وما فيها…
ورأى من ورائها الجنة، لكنها لم تكن جنة واحدة، بل درجات، بين كل درجة وأخرى كما بين الأرض والسماء .
نعم , كانت الجنة طبقاتٍ شاهقة، بين طبقةٍ وأخرى كما بين الثرى والثريا…
ورأى الملة ياسين في الدرجة الأولى، عالية كالجبال، محاطة بالأزهار والأنوار…؛
لكنه لم يكن ياسين العجوز الذي يعرفه، بل شاباً قوياً، ينبض بالحياة، يضيء كالشمس…
وكان إلى جانبه شاب آخر يمسك بتلابيب ردائه، وعلى رأسه تاج من ياقوت أحمر…
؛تأمل محمد في وجهه ,فإذا هو صادق …
سمع منادياً ينادي: أدخلوها بغير حساب، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب…؛ فأنطلق الملة ياسين كالصاروخ نحو أعلى الدرجات , نحو القمة السندسية التي لا ترى ؛ عند سدرة المنتهى .
وهنا، في درجة متدنية من الجنة، رأى خيرية… ؛ وكانت ترتدي ثياباً بيضاء بسيطة، وتقف على أرض خضراء… .
صرخت بأعلى صوتها : ياسين , ياسين , ياسين ؛ وأنا زوجتك , ما مصيري ؟
رد عليها صوت من بعيد، أسرع من الضوء: تدخلينها يا خيرية , ولكن بحساب بسيط .
عندها توجهت خيرية في اتجاه آخر، نحو الجنة البسيطة , والدرجة المتدنية منها ,
وبينما كانت تمشي، سقطت أسنانها في يديها… ؛فتذمرت قائلة:
كيف آكل في الجنة وقد سقطت أسناني؟
استيقظ محمد من الحلم … ؛ففهم أخيرًا شيئًا لم يفهمه في طفولته :
أن الناس لا يختلفون في الدنيا فقط … ؛بل حتى في الجنة يحمل كلُّ واحدٍ روحه كما عاش بها… ؛فالدنيا ليست مكانًا نعيش فيه فحسب … ؛بل هي المرآة التي تُشكِّل ملامح أرواحنا…؛ قبل أن نصعد بها إلى الدرجات التي لا تُرى.