من يملك حق الكلام في زمن الأسرار
كتب رياض الفرطوسي
في كل دولة، هناك مساحة معلنة تُقال فيها الأشياء بوضوح، ومساحة أخرى أكثر اتساعاً تُدار فيها الوقائع بصمت. بين هاتين المساحتين تتشكل علاقة معقدة بين السلطة والمعرفة، بين ما يُكشف للناس وما يُحجب عنهم، وهي علاقة لا يمكن اختزالها في ثنائية الصواب والخطأ بقدر ما تحتاج إلى فهم دقيق لحساسيتها وخطورتها.
السرية، في أصلها، ليست عيباً في إدارة الدول، بل هي أحد أدواتها الأساسية. فالأمن القومي لا يُبنى على المكاشفة الكاملة، ولا تُدار الاستراتيجيات الكبرى تحت ضوء مفتوح. هناك معلومات لو خرجت في توقيت خاطئ قد تُربك توازنات دقيقة، أو تمنح الخصوم فرصة لا تُعوّض. لذلك، فإن الاحتفاظ ببعض الحقائق داخل الدوائر المغلقة ليس ترفاً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الصراع وتعقيدات المصالح.
لكن الإشكال لا يكمن في وجود السرية، بل في اتساع نطاقها بلا ضوابط. حين تتحول من استثناء محسوب إلى حالة عامة، تتراجع المساحة التي يحق للمجتمع أن يرى فيها بوضوح. وعندها، لا يصبح المواطن شريكاً في الوعي، بل متلقياً لما يُسمح له فقط أن يعرفه. هنا تفقد المعلومة دورها كأداة للفهم، وتتحول إلى وسيلة للضبط، أو حتى للإخفاء غير المبرر.
الفارق دقيق لكنه حاسم، بين سرٍ يحمي الدولة، وصمتٍ يرهقها. الأول يُدار بعناية، ويُرفع عنه الغطاء حين تزول أسبابه، أما الثاني فيتراكم حتى يصبح عبئًا على الثقة العامة. فالدولة التي تُفرط في حجب المعلومات لا تعزز استقرارها، بل تفتح الباب للتأويلات، وتمنح الشائعات حياة أطول من الحقيقة نفسها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إدارة المعلومة مسؤولية ثقيلة. ليست كل حقيقة قابلة للنشر، ولا كل توقيت مناسب للكشف. هناك اعتبارات تتجاوز الرغبة في الشفافية، تتصل بسلامة المجتمع، وبحسابات دقيقة لا تظهر على السطح. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإطلاق الكلام أو منعه، بل بكيفية تنظيمه، وتحديد من يملك حقه، ومتى، وتحت أي شروط.
المجتمعات الناضجة لا تطالب بكشف كل شيء، لكنها ترفض أن تُعامل كطرف خارج المعادلة. هي تدرك أن هناك أسرارًا يجب أن تبقى كذلك، لكنها في الوقت ذاته تطالب بحد أدنى من الوضوح يسمح لها بالفهم، والمساءلة، والمشاركة. فالمعرفة ليست رفاهية، بل شرط أساسي لبناء وعي عام قادر على حماية الدولة لا مجرد التفرج عليها.
وفي هذا السياق، يصبح دور المسؤول أكثر تعقيداً مما يبدو. فهو ليس مجرد حارس للأسرار، ولا مجرد ناقل للمعلومات، بل هو من يوازن بين الحقين، حق الدولة في الصمت، وحق المجتمع في المعرفة. وكل خلل في هذه المعادلة، يميل بالكفة نحو أحد طرفين خطرين، إما انكشاف يضر، أو صمت يقتل الثقة.
في زمن تتكاثر فيه مصادر المعلومات، وتتسارع فيه الشائعات، لم يعد ممكناً إدارة الواقع بعقلية الإخفاء المطلق. فكل ما يُحجب بلا مبرر، سيُستدعى بطريقة أخرى، غالباً أقل دقة وأكثر ضرراً. لذلك، فإن الحكمة لا تكمن في إغلاق الأبواب، بل في معرفة أيها يجب أن يُفتح، ومتى، وكيف.
السؤال إذن يظل معلقاً، لا يبحث عن إجابة واحدة، بل عن توازن دائم، من يملك حق الكلام في زمن الأسرار؟
ربما الجواب الأدق، أنه حق لا يُحتكر، بل يُنظّم، ولا يُمنح بالكامل، ولا يُصادر بالكامل. وبين هذين الحدين، تتحدد ملامح الدولة، ويُقاس وعيها، ويُبنى مستقبلها.