منظمة عراقيون ضد الفساد
بغداد / المنطقة الخضراء / الأمانة العامة لمجلس رئاسة الوزراء …
تشهد الساحة السياسية في العراق تطورات متسارعة بالتزامن مع مساعي تشكيل الحكومة الجديدة، في ظل بيئة تفاوضية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإقليمية. وفي هذا السياق، برزت خلال الساعات الماضية تسريبات تتحدث عن وجود ضغوط ومطالب مالية تُطرح ضمن كواليس المفاوضات، ما يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة التفاهمات التي قد ترافق عملية تمرير الكابينة الوزارية في مجلس النواب.
وتعكس هذه المعطيات حالة من التوتر وعدم الثقة بين الأطراف السياسية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مدى التزام العملية السياسية بالمعايير الدستورية ومبادئ الشفافية. كما تفتح هذه التطورات الباب أمام نقاش أوسع حول تأثير المصالح المتشابكة على مسار تشكيل الحكومة، وانعكاس ذلك على مستقبل الاستقرار السياسي والإداري في البلاد.
وقد علمت ” المنظمة ” ومن خلال مصدر مسؤول مطلع يتم تداولتها خلال الساعات الماضية في مكاتب الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى وجود خلافات حادة خلف الكواليس السياسية في العراق، تتعلق بعملية تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي. ووفقًا لهذه التسريبات، فإن ملفًا ماليًا معقدًا بات جزءًا من المفاوضات الجارية بين الأطراف السياسية المؤثرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه مسار تشكيل السلطة التنفيذية في البلاد.
وبحسب ما تم تداوله، فإن الزيدي يطالب الحكومة العراقية بمبلغ يقارب ملياري دولار أمريكي، عن قيمة تعاقدات سابقة ومن أبرز هذه الشركات شركة “الأويس” للتجارة والمقاولات والتجهيزات الغذائية، التي تنفذ عقودًا لإطعام الجيش العراقي بالأرزاق الجافة والطرية (41 مادة)، بواقع 300 ألف مقاتل يوميًا، إلى جانب مشاركتها في مشروع السلة الغذائية لتجهيز نحو 40 مليون نسمة عبر سبع مواد غذائية. وكما تُظهر بيانات وزارة التجارة/دائرة تسجيل الشركات امتلاكه أو إدارته لـ15 شركة مسجلة باسمه، برؤوس أموال تأسيسية تتجاوز 282 مليار دينار عراقي، تعمل في قطاعات المقاولات والإنشاءات، الاستثمار العقاري والسياحي، النفط والغاز والطاقة الكهربائية، الصناعات الغذائية والزجاجية، الإنتاج الزراعي والحيواني، إضافة إلى التعليم العالي والخدمات الطبية والمالية وفي المقابل، تفيد بأن بعض قادة قوى سياسية نافذة ضمن ما يُعرف بـ”الإطار التنسيقي” وبعض قادة الفصائل الولائية قد طرحوا شروطًا تتضمن تخصيص جزء من هذا المبلغ—يُقدّر بمليار دولار—لدعم مشاريع إعادة الإعمار في إيران، بينما المبلغ المتبقي المليار دولار سوف سيُوزّع داخليًا بين جهات سياسية نافذة وقادة الفصائل الولائية وتشير التسريبات ” للمنظمة ” إلى أن هذه الشروط وُضعت كجزء من تفاهمات محتملة مقابل دعم تمرير التشكيلة الوزارية في مجلس النواب، مقربون من الزيدي، مؤكدين رفضه القاطع لغاية الآن لأي ترتيبات وصفوها بأنها “ابتزاز سياسي” يتعارض مع المعايير الدستورية والأخلاقية للحكم. وفي سياق متصل، تُلمّح المعلومات المتداولة إلى وجود مقترحات موازية تتعلق بملفات اقتصادية، من بينها احتمال إصدار قرارات مستقبلية من قبل الحكومة—في حال تشكيلها—تخص البنك المركزي العراقي، ومنها إعادة إدراج بعض المصارف الخاصة في نافذة بيع العملة الأجنبية، بعد أن كانت خاضعة لقيود سابقة ومنها مصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل –العراق في الثاني من شباط 2016، ويمكن تعويض مبلغ الملياري دولار من خلال مزاد العملة التي يطرحها البنك المركزي العراقي حيث شهد مصرف الجنوب تحولًا من شركة صرافة وتحويل مالي تأسست عام 2009 إلى مصرف إسلامي للاستثمار والتمويل عام 2016، وارتفع رأس ماله تدريجيًا من 45 مليار دينار إلى 100 مليار، وصولًا إلى أكثر من 510 مليارات دينار حتى نهاية 2024، وقد تعاقب على رئاسته كل من الزيدي حتى 2019، ثم الاقتصادي محمود داغر، وصولًا إلى الرئيس الحالي مازن صباح أحمد منذ 2024
هذه السرقات والابتزاز المالي الذي يقوم به حاليا قادة الإطار التنسيقي وبالتنسيق مع قادة فصائل ولائية فإنها تعكس بيئة سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، ما يثير تساؤلات جدية حول شفافية ونزاهة عملية تشكيل الحكومة ومدى استقلاليتها.
وإذا ما استمرت مثل هذه في التداول دون توضيح رسمي حاسم، فإنها قد تؤثر سلبًا على ثقة الشارع العراقي بالمؤسسات السياسية والدستورية ، وتزيد من حدة الاستقطاب الداخلي. كما أن أي مؤشرات على ربط تشكيل الحكومة بتفاهمات مالية أو خارجية قد تضعف من شرعية السلطة التنفيذية أمام الرأي العام والمجتمع الدولي. وفي المقابل، قد تمثل هذه الأزمة—في حال إدارتها بشفافية—فرصة لإعادة التأكيد على أهمية الإصلاح المؤسسي وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، بما يسهم في ترسيخ قواعد الحكم الرشيد. ويبقى مستقبل العملية السياسية في العراق مرهونًا بقدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز الخلافات، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.