الأمة العراقية ودولة المواطنة: ضرورة الانبثاق في مواجهة التشرذم والارتباطات الخارجية

رياض سعد

تمهيد: إشكالية الولاءات المتعددة
يشهد العراق في لحظته التاريخية الراهنة حالةً معقدة من التشظي الهوياتي والتنازع بين الولاءات، حيث تتقاطع الانتماءات الطائفية والقومية مع الامتدادات الإقليمية والدولية، على نحوٍ جعل سؤال الهوية الوطنية العراقية سؤالًا إشكاليًا بامتياز… ؛ وفي خضم هذا الواقع، يبرز مفهوم “الأمة العراقية” بوصفه ضرورة تاريخية وفكرية، لا ترفًا نظريًا، وشرطًا لازمًا لبناء دولة المواطنة الحديثة .
نعم , يعيش العراق اليوم أزمة هوية عميقة تجلت في تشظي الولاءات وتعدد المراكز المرجعية لأبنائه… ؛ فبدلاً من أن تتجه أنظار العراقيين نحو وطنهم كفضاء جامع للمصير المشترك، نجد أن كل مكون يتجه شرقاً أو غرباً بحثاً عن عمق استراتيجي أو ملاذ وجودي… ؛ و هذا الوضع المركب يهدد كيان الدولة ويضع علامات استفهام كبرى حول إمكانية بناء مشروع وطني موحد… .
أولاً: جذور التشرذم الوطني
1-الارتباطات والتحالفات والولاءات الخارجية للمكونات العراقية
يتخوف الكثيرون من أبناء الأغلبية ومن العراقيين عموماً من فك الارتباط الطائفي والقومي مع الدول المجاورة، وذلك لاعتبارات وجودية وسياسية واجتماعية وثقافية وقومية ودينية تراكمت عبر عقود بل قرون طويلة .
فالشيعي العراقي يرى في إيران عمقاً خلفياً له، في ظل غياب حاضن إقليمي آخر يمكنه الاعتماد عليه… ؛ وهذا الإحساس لم ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمية لسياسات إقصائية طالت أبناء هذا المكون لعقود طويلة، مما جعله يبحث عن سند وجودي خارج الحدود .
أما الكردي العراقي، فتربطه قضايا مصيرية بأكراد إيران وتركيا وسوريا، بغض النظر عن التحديات والمآسي التي قد تنجم عن هذه الارتباطات والتحالفات … ؛ فالقضية الكردية تتجاوز حدود الدولة الواحدة لتشكل همّاً وجودياً عابرا للحدود .
وحال التركماني لا يختلف عن غيره، إذ نجد بعضهم يتبنى خطاباً قومياً يصل إلى حد تأبين قتلى الجيش التركي ووصفهم بشهداء الأمة التركية، متناسين أن هؤلاء هم جيش غازٍ معتدٍ على أرض العراق، وكأن مدنهم العراقية هي امتداد لدولة تركيا …!!
أما السني العراقي، فمصيبته عظمى في هذا السياق، فهو أس البلاء وجذره حسب ما يشهد به التاريخ… ؛ فقد يفضل السني العراقي التركي والشيشاني والأفغاني والعربي، بل واليهودي أحياناً، على أخيه الشيعي العراقي… ؛ وعقود الحكومات الهجينة الطائفية خير شاهد على ذلك، إذ قُتل الملايين من العراقيين الأصلاء، وأُسقطت الجنسية عن عشرات الآلاف، بينما تم تجنيس الأجانب والغرباء من بقايا العثمنة والعجم ورعايا الاحتلال البريطاني من الهنود والأعراب ومن لف لفهم .
حتى الأقلية المسيحية، نجد أنظارها متجهة نحو الغرب، وقلوبها معلقة بالكنيسة الشرقية والفاتيكان، وهو أمر مفهوم في سياقه الروحي، لكنه يتحول إلى إشكال حين يضعف الإحساس بالانتماء الوطني، ويجعل من العراق فضاءً مؤقتًا لا وطنًا نهائيًا … ؛ وكأن العراق مجرد محطة عابرة في تاريخها … .
2-جذور غريبة وأصول أجنبية
لا مراء في وجود شخصيات وعوائل ذات جذور أجنبية وأصول غريبة من العرب والكرد والتركمان والشيعة والسنة والمسيح والفيلية والارمن والاثوريين … ؛ حصلوا على الجنسية العراقية في بدايات القرن العشرين، ثم غيروا ألقابهم وبدلوا جلودهم ونكروا أصولهم… ؛ بل إن بعضهم أصبح يزايد على العراقيين الأصلاء في الهوية الوطنية والعراقة الرافدينية، متناسياً أن جذوره تضرب في تربة غير عراقية … ؛ وإنَّ أسلافَه الغرباءَ وأجدادَه الأجانبَ كانوا مرتزقةً للمحتلّين … , وأعداءً لأسلافِ العراقيينَ الأصلاءِ وأجدادِ أبناءِ الرافدينَ الكرماءِ … ؛ فورثَ هؤلاءِ المُهَجَّنونَ سِماتِ أسلافِهم، لذا تراهم أشدَّ الناسِ عداوةً للعراقيينَ الأصلاءِ ليومنا الحاضر …!!
نعم , إن جذور هذه الظاهرة تعود، في جانب منها، إلى نشأة الدولة العراقية الحديثة، حيث أسّس الاحتلال البريطاني لنظام سياسي لم يكن منسجمًا مع البنية الاجتماعية والثقافية للعراق، وأسند السلطة إلى نخب لم تكن معبّرة عن الهوية الوطنية الجامعة… ؛ ومنذ ذلك الحين، تعاقبت أنماط من الحكم رفعت شعارات قومية أو دينية، لكنها في الواقع عمّقت الانقسام، وأضعفت الدولة، وفتحت الباب أمام التدخلات الخارجية .
ثانياً: المسؤولية التاريخية للحكام السنة
إن أول من دق أساس الارتباط بالخارج ودول الإقليم والقوى الاستعمارية الكبرى هم حكام السنة الذين نصبهم الإنكليز حكاما على العراق، رغم عدم ارتباطهم بالعراق والهوية الوطنية والاغلبية والامة العراقية بأية صلة حقيقية… ؛ و لقد استمرت هذه السيرة المنكوسة إلى يومنا هذا، فتارة باسم القومية العربية والعروبة، وتارة أخرى باسم الأمة الإسلامية وأهل السنة والجماعة … .
نعم , ان الأزمة الأكثر تعقيدًا تتجلى في التجربة السنية السياسية في العراق، التي عانت – تاريخيًا – من إشكاليات في تعريف الذات ضمن الإطار الوطني، حيث طغت في مراحل معينة انتماءات عابرة للحدود، سواء كانت قومية أو دينية، على حساب الهوية العراقية الجامعة… ؛ وقد أفرزت هذه الاختلالات، عبر مراحل مختلفة من الحكم، سياسات إقصاء وتهميش، بل وعمليات تغيير ديمغرافي وقانوني، شملت إسقاط جنسيات ومنح أخرى، بما أضعف مفهوم المواطنة المتساوية كما اسلفنا .
هذه السياسات المنكوسة جعلت بقية مكونات الأمة العراقية، ومنها الأغلبية، تحذو حذو سنة العراق حذو النعل بالنعل… ؛ اذ لم تبق دولة تنطق بالعربية -حتى وإن كانت ذات جذور أمازيغية أو حبشية أو إفريقية أو أعرابية- إلا واستغلت العراق ونهبت خيراته في فترة من فترات حكم الحكومات الهجينة الطائفية والعملية …!!
ثالثاً: تعقيدات المرحلة الراهنة
عندما جاءت الأغلبية العراقية لتشارك في الحكم بعد تغيير النظام الهجين ، وجدت نفسها محاطة بعتاة المجرمين وأشرس القتلة والإرهابيين الذين دخلوا العراق بطلب ودعوة من أيتام النظام وشذاذ الفئة الهجينة وجلادي الأجهزة القمعية وذيول الأنظمة العربية من البعثية والقومجية …
لقد عاثت أكثر من ثلاث وثمانين جنسية أجنبية وعربية في العراق قتلاً وتدميراً وفساداً وإجراماً، من أجل إسقاط التجربة الديمقراطية وإفشال العملية السياسية والعودة إلى مربع الطغيان الطائفي والإجرام الدموي والحكومات الدكتاتورية… ؛ وهذا ما دفع الأغلبية دفعاً قسرياً إلى التنسيق مع إيران لمواجهة هذه الحملات الإرهابية والصولات الهمجية والمفخخات الانتحارية .
وهكذا استمر الوضع إلى يومنا هذا: الكل يتعادئ ويتخاصم مع الكل، والجميع يحتمي بالأجانب والغرباء والأعداء من الجميع …!!
رابعاً: خطورة استمرار الارتباطات والتحالفات والولاءات الخارجية
إن استمرار هذه الارتباطات والولاءات الخارجية والتحالفات الإقليمية سيؤدي حتماً إلى انهيار العراق عاجلاً أم آجلاً… ؛ وقد أثبتت التجارب التاريخية أن كل تلك الارتباطات والتحالفات والولاءات -بذريعة القومية أو بحجة المذهب والطائفية- لم تجلب للعراق والعراقيين سوى المزيد من الخسائر والانتكاسات والأزمات … .
لا يوجد حل أمام العراقيين بمختلف مكوناتهم وتوجهاتهم سوى التمسك بإحياء مفهوم الأمة العراقية العظيمة، وانصهار كافة المكونات في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة , والسعي من أجل ارساء دولة المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والحريات وسيادة القانون والعلمانية .
خامساً: نحو مشروع الأمة العراقية ودولة المواطنة
في حياة الشعوب والأمم ليست الخطوات كلها إلى الأمام؛ أحياناً نتقدم خطوة ونتراجع خطوات، لكن الاتجاه العام هو ما يصنع النتيجة… ؛ فإن آمن العراقيون بالأمة العراقية الواحدة، واقتنعوا بضرورة إعلان دولة المواطنة والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، فإن القدر سيستجيب لهم عاجلاً أم آجلاً… ؛ فالقدر لا يستطيع عرقلة وإعاقة الإرادة الشعبية طويلاً .
نعم، إن آمنت مكونات الأمة العراقية بذلك، فإن راية الأمة العراقية العظيمة ودولة المواطنة القوية قادمة لا محالة، طالما أن لها حاضناً شعبياً حياً وثابتاً لا يتغير .
سادساً: استعادة الحقوق التاريخية
أما مسألة استرجاع الأراضي التاريخية العراقية، فهي نتيجة حتمية لتلك المقدمة؛ فالحقوق التاريخية والأراضي الوطنية المسلوبة لا تسقط مهما طال أمد الاحتلال والعدوان… ؛ فعلاقة العراقي الأصيل بأرضه التاريخية علاقة راسخة ثابتة لا تتغير مع تقلبات الحكومات واشتداد الأزمات والتحديات … ؛ والقضايا العادلة لا بد من تحقيقها، ومعرفة الرأي العالمي بها كفيل بإخراجها من عزلتها إلى فضاء الاعتراف الدولي .
خاتمة: ضرورة الانتقال إلى الدولة المدنية
إن الخلاص من هذه المعضلة التاريخية لا يكون إلا ببناء دولة المواطنة التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات، وتذوب فيها الولاءات الفرعية في ولاء وطني جامع… ؛ ودولة تحمي حقوق جميع مكونات الشعب العراقي، وتقطع الطريق على أي تدخلات خارجية مهما كان مصدرها.
فالعراق ليس محطة عابرة في تاريخ المنطقة، بل هو عمق حضاري ورسالة إنسانية، ولا يمكن لهذه الرسالة أن تتحقق دون عراقيين مؤمنين بوطنهم، متحررين من التبعيات الخارجية، متحدين في إطار مواطنة حقيقية تعلي من شأن العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
إن استمرار هذه الارتباطات والولاءات الخارجية تحت ذرائع مذهبية أو قومية، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك والانهيار… ؛ فالتجربة التاريخية أثبتت أن هذه الولاءات لم تجلب للعراق سوى الأزمات والخسائر، وأضعفت قدرته على بناء دولة مستقلة ذات سيادة .
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء الوعي الوطني على أساس مفهوم “الأمة العراقية”، بوصفها إطارًا جامعًا يتجاوز الانقسامات الفرعية، ويؤسس لهوية مدنية حديثة تقوم على المواطنة، لا الانتماء الطائفي أو العرقي… ؛ إن الأمة العراقية ليست نفيًا للتنوع، بل هي صيغة حضارية لاحتضانه ضمن مشروع وطني مشترك .
إن التحول نحو دولة المواطنة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون… ؛ كما يتطلب تفكيك البنى الذهنية والثقافية والدينية والاجتماعية والدينية والاعلامية التي تعيد إنتاج الانقسام والتشرذم والاصطفافات الطائفية والقومية والمناطقية والعنصرية ، واستبدالها بثقافة سياسية جديدة تؤمن بالشراكة والتعددية والمواطنة .
واخيرا ؛ فإن انبثاق الأمة العراقية ليس خيارًا فكريًا فحسب، بل ضرورة وجودية… ؛ فإما أن ينجح العراقيون في بناء هويتهم الجامعة ودولتهم المدنية، وإما أن يبقوا أسرى لانقساماتهم، في ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين… ؛ والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم الأمم التي تفشل في تعريف نفسها .