بين المناورة السياسية والواقع الميداني: قراءة في الرفض الإيراني لمبادرة ترامب

بقلم : الأستاذ حسين شكران العقيلي

​تأتي تصريحات دونالد ترامب الأخيرة حول إنهاء الحرب بمثابة اعتراف ضمني بفشل سياسة “الضغوط القصوى” في كسر إرادة طهران، ومحاولة متأخرة لفرض (أمر واقع) سياسي يسبق التحولات الكبرى في الميدان.
إلا أن القراءة المتأنية للموقف الإيراني تكشف عن صلابة استثنائية؛ فالرفض الإيراني لمبادرة (النقاط الـ 15) ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل هو موقف القوي الذي يدرك أن الحصار الذي فُرض عليه لعقود لم يزده إلا تمسكاً بسيادته واعتماداً على قدراته الذاتية التي باتت اليوم رقماً صعباً في المعادلة الدولية.
​إن ما يطرحه ترامب من شروط تقييدية مقابل رفع العقوبات، يصطدم بجدار الصمود الإيراني الذي استطاع تحويل (محنة الحصار) إلى (منحة للاكتفاء العسكري) فبينما تراهن واشنطن على استنزاف الداخل، تبرز طهران كقوة إقليمية مهيمنة تمتلك ترسانة صاروخية هي الأضخم والأكثر دقة في المنطقة، قادرة على شل حركة الملاحة الدولية وإصابة أهداف استراتيجية على بعد آلاف الكيلومترات بضغطة زر واحدة. هذا الاقتدار العسكري، المدعوم بتكنولوجيا المسيرات المتطورة التي باتت تخشاها القوى الكبرى، يمنح المفاوض الإيراني رفاهية الرفض والتمسك بالشروط السيادية كاملة غير منقوصة.
​علاوة على ذلك، فإن الموقف الإيراني يستند إلى واقع ميداني أثبت أن “دبلوماسية المقاومة” قادرة على لجم الطموحات الأمريكية؛ فإيران اليوم لا تفاوض من موقع المحاصر الضعيف، بل من موقع الدولة التي أحكمت قبضتها على الممرات المائية الحيوية، وحولت مضيق هرمز إلى ساحة نفوذ لا يمكن تجاوزها. إن الرفض الإيراني للمقترحات الأمريكية هو في جوهره رسالة للعالم بأن (قانون القوة) الذي تحاول واشنطن فرضه قد انكسر أمام (قوة الحق) والصلابة الميدانية، وأن أي اتفاق لن يمر إلا إذا ضمن اعترافاً كاملاً بمكانة إيران كقطب إقليمي لا يمكن عزله أو تهميشه.
​في الختام، يبرهن الرد الإيراني على أن القوة الحقيقية لا تستمد من التحالفات الهشة أو التبعية للخارج، بل من رحم المعاناة والحصار. لقد أثبتت طهران لترامب وللعالم أجمع، أن الإرادة الوطنية التي صمدت في وجه أعتى العقوبات الاقتصادية، هي ذاتها التي تقود اليوم دفة المفاوضات بذكاء واقتدار، ليكون إنهاء الحرب رهناً بإرادة طهران وشروطها، لا بوعود واشنطن ومناوراتها الإعلامية.