دراما الرمال في زاغروس

دراما الرمال في زاغروس

كتب رياض الفرطوسي

حين تهاوت أحدث الطائرات المقاتلة في عمق أراضي الخصم، لم تسقط معها كتل الحديد فحسب، بل تصدعت أيضاً سردية التفوق المطلق التي لطالما سوّقتها القوى الغربية المهيمنة على السلاح والإعلام. هذا ما تجسد بوضوح في المشهد المشتعل للحرب الحالية، وتحديداً مع إسقاط الطائرة المقاتلة من طراز “إف-15 إي سترايك إيغل” في جبال زاغروس الوعرة. لقد عشنا أياماً حبست فيها الأنفاس، وتسابق فيها الحرس الثوري والقبائل المحلية مع نخبة الكوماندوز للوصول إلى ضابط أنظمة الأسلحة الذي قفز في قلب المجهول. وفي هذه اللحظة الحرجة بالذات، وبدلاً من أن يتساءل الرأي العام العالمي عن مبررات هذه الحرب الضارية التي دخلت أسبوعها السادس، أو عن مدى فاعلية الدفاعات الجوية التي كسرت هيبة السيادة الجوية المزعومة، تحول المشهد ببراعة مذهلة إلى فيلم إثارة هوليوودي محوره الأوحد: كيف نجا الطيار؟

هذا النمط من إدارة الأزمات ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية تواصلية ونفسية ثابتة تتبعها القوى الكبرى لصناعة القابلية وتوجيه الانتباه، وهي تمتد بجذورها إلى أحداث تاريخية مماثلة. دعنا نتذكر ما جرى عام 2015 حين أعلنت إيران عن سيطرتها على واحدة من أكثر طائرات التجسس الأمريكية تطوراً وسرية؛ حينها أيضاً سارعت الأجهزة التوجيهية في الغرب إلى تحويل الفشل التقني والاستخباراتي المدوي إلى قصص موازية تتحدث عن “أعطال فنية” و”عمليات تشويش”، بهدف حجب الحقيقة الصادمة المتمثلة في قدرة الطرف الآخر على خرق جدار التكنولوجيا الفائقة. واليوم، يتكرر السيناريو ذاته في جبال إيران؛ إذ يتم تصوير إنقاذ الطيار على أنه “معجزة” وانتصار تاريخي خارق للعادة، بينما يمر الجميع مرور الكرام على صلب الحدث: الطائرة أُسقطت، وأسطورة “الأجواء المفتوحة والمستباحة” التي تباهت بها القيادة العسكرية قد تبخرت فوق قمم الجبال.

إن ما يجري اليوم يمثل التطبيق الحرفي لما يطرحه المفكر والمحلل اللغوي نعوم تشومسكي حول “صناعة الإذعان”، حيث تُهندس التغطيات الإخبارية لتصنيع تعاطف جارف مع المعتدي وتجريد الضحية من إنسانيتها، فتغدو الميديا أداة حربية موازية تُدار بالرموز العاطفية لإزاحة التفكير العقلاني. لقد كشفت تسريبات إعلامية غربية موثوقة أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تكتفِ بالجانب العسكري، بل أدارت غرف عمليات رقمية ونفسية معقدة داخل الفضاء الإيراني، وبثت إشاعات تضليلية مدروسة لإرباك عمليات البحث المحلية حول موقع الطيار. هذا التوظيف الممنهج للدراما في قلب المعركة يعيدنا إلى أطروحات المفكر إدوارد سعيد حول “الهيمنة الثقافية” وكيف يُعاد إنتاج صورة الشرقي في الذهنية الغربية كمجرد مساحة جغرافية أو تهديد مبهم، في مقابل إبراز الجندي الغربي كرمز وحيد للقيم الإنسانية والبطولة، حتى وهو يمارس أقصى درجات العنف من قمرة قيادته.

إن ما يحدث اليوم هو عملية سطو منظمة على الذاكرة البشرية، حيث تمتلك الآلة التكنولوجية العملاقة وحدها حق احتكار الضوء، فتسلطه على بقعة الإنقاذ المضيئة لتجعل منها الحدث الكوني الأوحد، بينما تغرق جثث الضحايا وحطام المدن في ظلمة النسيان. إنها لعبة المرايا التي تجعل من الشخص الذي كان يُمطر الموت من الأعالي ضحية بريئة تستحق الاحتفاء بنجاتها، بينما يُحرم أولئك الذين يقبعون تحت الأنقاض من مجرد حقهم في التدوين أو إبراز ملامح وجوههم المفقودة. بهذا المعنى، وبناءً على ما يطرحه عالم الاجتماع برونو لاتور حول شبكات الهيمنة، لا يعود التاريخ تسجيلاً لما حدث بالفعل على الأرض، بل يصبح “إعادة تدوير” درامية تتفادى الإدانة الأخلاقية، وتختزل الحرب كلها في مغامرة بطولية لإنقاذ فرد، لإقناع الجماهير بأن كل هذا الخراب الكارثي هو مجرد بيئة تصويرية مبررة لتمرير بطولات خارقة، متناسين أن جوهر التاريخ لا يُصنع في الغرف المغلقة للجنرالات، بل في الصرخات المكتومة للناس العاديين في القاع؛ أولئك الذين يصنعون الحدث الفعلي بدمائهم وعرقهم، ثم يُطردون من منصة الشهادة ليظلوا مجرد أشباح عابرة في خلفية الصورة.