نفحات عن الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ح 6)

د. فاضل حسن شريف

يقول المفكر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره (ان الانتظار إلهامٍ فطريٍّ أدرك الناس من خلاله على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب أنَّ للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير. وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام ويؤكد أنَّ الأرضَ في نهايةِ المطاف ستمتلئ قسطاً وعدلاً بعد أنْ ملئت ظلماً وجوراً. الإيمان بالمهدي إيمانٌ برفضِ الظلمِ والجورِ. وأنَّ الظلم مهما تجبَّر وامتدَّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدراته، فهو حالة غير طبيعية ولا بد أنْ ينهزم. وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمةِ مجده، تضع الأمل كبيراً أمامَ كل فردٍ مظلومٍ، وكل أمةٍ مظلومةٍ في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء). يتضح من مقالة الشهيد الصدر ان من يريد الانتظار ان يكون سباق في مقاومة الظلم لانها فطرة الانسان التي فطر الناس عليها. قال الشهيد الصدر ان الانتظار الهام فطري. ومن البديهي ان الامام المهدي عجل الله فرجه هو عدل القرآن الكريم يطلب من اعوانه في اي وقت ان يخشوا الله ولا يخشوا الظالم”إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي” (البقرة 150). وتأتي المرحلة التالية استخدام اليد بتدريبها لتقوى على الظالم وزمرته كما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده،فإن لم يستطع فبلسانه،فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فاعداد القوة فرض كفائي ليكون المنتظر مستعد ليكون جندي الامام المهدي ضد الاعداء.

قال الله جل جلاله”الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (البقرة 274) في أنوار التنزيل وتفسير الخازن وتفسير ابن كثير الشافعي و كفاية الطالب وتفسير الثعالبي وتفسير الكبير وغيرها ان هذه الاية نزلت بعلي بن أبي طالب. جاء في کتاب اقتصادنا للشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره عن علاقة الملكية والخلافة: فالمال مال الله وهو المالك الحقيقي، والناس خلفاؤه في الأرض وأمناؤه عليها وعلى ما فيها من أموال وثروات. قال الله تعالى “هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً” (فاطر 39). وعن علاقة الخلافة بالمال يقول السيد الصدر قدس سره: ولما كانت الخلافة في الأصل للجماعة، وكانت الملكية الخاصة أسلوباً لإنجاز الجماعة أهداف هذه الخلافة ورسالتها، فلا تنقطع صلة الجماعة ولا تزول مسؤوليتها عن المال لمجرّد تملّك الفرد له، بل يجب على الجماعة أن تحمي المال من سفه المالك إذا لم يكن رشيداً، لأنّ السفيه لا يستطيع أن يقوم بدور صالح في الخلافة. ولذا قال الله تعالى “وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً” (النساء 5)، ووجّه الخطاب إلى الجماعة، لأنّ الخلافة في الأصل لها، ونهاها عن تسليم أموال السفهاء إليهم،وأمرها بحماية هذه الأموال والإنفاق منها على أصحابها، وبالرغم من أنّه يتحدّث إلى الجماعة عن أموال السفهاء، فقد أضاف الأموال إلى الجماعة نفسها فقال”وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ” (النساء 5). وفي هذا إشعار بأنّ الخلافة في الأصل للجماعة، وأنّ الأموال أموالها بالخلافة، وإن كانت أموالاً للأفراد بالملكية الخاصة. وقد عقبّت الآية على هذا الإشعار بالإشارة إلى أهداف الخلافة ورسالتها، فوصفت الأموال قائلة “أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً” (النساء 5)، فالأموال قد جعله الله للجماعة،يعني: أنّه استخلف الجماعة عليها، لا ليبذروها أو يجمّدوها، وإنّما ليقوموا بحقّها ويستثمروها ويحافظوا عليه، فإذا لم يتحقّق ذلك عن طريق الفرد، فلتقم الجماعة بمسؤوليتها. وعلى هذا الأساس يستشعر الفرد المسؤولية في تصرّفاته المالية أمام الله تعالى، لأنّه هو المالك الحقيقي لجميع الأموال، كما يحسّ بالمسؤولية أمام الجماعة أيضاً، لأنّ الخلافة لها بالأصل، والملكية للمال إنّما هي مظهر من مظاهر تلك الخلافة وأساليبها، ولهذا كان من حقّ الجماعة أن تحجر عليه إذا لم يكن أهلاً للتصرّف في ماله، لصغرٍ أو سفهٍ، وأن تمنعه عن التصرّف في ماله بشكل يؤدّي إلى ضرر بليغ بسواه، وكذلك أن تضرب على يده، إذا جعل من ماله مادّة للفساد والإفساد، كما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على يد سمرة ابن جندب وأمر بقطع نخلته الخاصّة ورميها، حين اتّخذها مادّة فساد، وقال له: (إنّك رجلٌ مُضار). وعن تحريم الإسلام بعض الاعمال يقول السيد الصدر قدس سره: حرّم الإسلام بعض الأعمال العقيمة من الناحية الإنتاجية، كالمقامرة والسحر والشعوذة، ولم يسمح بالاكتساب عن طريق أعمال من هذا القبيل، بأخذ أجرة على القيام بها”وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ” (البقرة 188). فإنّ هذه الأعمال تبديد للطاقات الصالحة المنتجة في الإنسان، والأجور الباطلة التي تدفع لأصحابها هدر لتلك الأموال التي كان بالإمكان تحويلها إلى عامل تنمية وإنتاج. ونظرة شاملة في التأريخ والواقع المعاش، يكشف لنا عن مدى التبذير الذي ينتج عن هذا النوع من الأعمال والاكتساب بها، وفداحة الخسارة التي يُمنى بها الإنتاج، وكلّ الأهداف الصالحة، بسبب تبديد تلك الطاقات والجهود والأموال و محاولة المنع من تركّز الثروة، وفقاً للنصّ القرآني الكريم”كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ” (الحشر 7). قوله تعالى “لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ” (النساء 29). فإنّ هذه الآية حكمت بأنّ كلّ سبب للتملّك والأكل باطل، إلاّ التجارة عن تراض.

جاء في الموسوعة الالكترونية لمدرسة اهل البيت عن السيد محمد الصدر: قال الله تعالى “فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (ال عمران 170) السيد محمد محمد صادق الصدر، (1362 ــ 1419 هـ) فقيه وعارف، ومفكّر، ومرجع ديني شيعي، بدأ دراسته الحوزوية في سن مُبكّر، ودرس العلوم الدينية عند كبار علماء الحوزة العلمية في النجف، منهم: السيد محمد باقر الصدر، والسيد روح الله الخميني، والسيد محسن الحكيم، والسيد الخوئي، وله إجازات في الرواية من عدّة مشايخ، منهم: آغا بزرك الطهراني، ووالده السيد محمد صادق الصدر، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين، والسيد عبد الرزاق المقرم. بدأ بتدريس العلوم الدينية في الحوزة العلمية، وأُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه الشهيد محمّد باقر الصدر في سنة 1398 هـ وكان عمره آنذاك 36 سنة. تصدى للمرجعية الدينية بعد وفاة السيد عبد الأعلى السبزواري، وذلك عام 1993 م. كان له الكثير من الأنشطة السياسية والاجتماعية، منها: دوره البارز في قيادة الانتفاضة الشعبانية عام 1991 م، وإقامته لصلاة الجمعة التي ذهب إلى وجوبها التعييني، ومواجهته للسلطة الحاكمة في العراق. تعرّض للكثير من الاعتقالات من قبل نظام صدام حسين.

يُذكر أنَّ أب الشهيد الصدر الثاني قدس سره السيّد محمّد صادق الصدر لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه محمّد، فرزقهم الله به، فكان الولد الوحيد لهما. لقب بعدة ألقاب: منها: السيد الشهيد، والليث الأبيض، وشهيد الجمعة، وشهيد الله، والشهيد الصدر الثاني لتمييزه عن أستاذه الشهيد الصدر الأول. تزوّج من بنت عمّه مسرة بنت السيد محمد جعفر الصدر، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيد مقتدى هنالك شقيق توأم مع سيد مقتدى قد توفى، واسمه سيد منتظر، وقد تزوّج الثلاثة الأوائل منهم بنات السيد محمد باقر الصدر، وله بنتان تزوجنَ من ابنَي السيد محمد كلانتر.

قام الشيخ عارف البصري خاطباً في الناس بعد وفاة المرجع الاعلى آية الله العظمى السيد محسن الحكيم قدس سره: إن السيد محسن الحكيم آية والله عزوجل قال في كتابه الحكيم “ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها” (البقرة 106) وقطعاً سيأتي الله بآية عوضاً عن السيد. وفي تلك السنة إنبرى للمرجعية خمس مراجع كبار هم السيد الخوئي والسيد الإمام الخميني والسيد السبزواري والسيد الشاهرودي والسيد الشهيد محمد باقر الصدر قدست أسرارهم.