عراقيون في “خط الشروع”.. قراءة في سيميائية العطالة عند مزهر الخفاجي
كتب رياض الفرطوسي
في حوار الدكتور مزهر الخفاجي مع الزميل صلاح منسي ، لا نقرأ مجرد تحليل سياسي، بل نحن أمام عملية “تشريح سيميائي” لجسد الشخصية العراقية المثقل بالندوب. إن الأطروحة المركزية التي يقدمها الخفاجي تضعنا أمام “بطل مأساوي” بالمعنى الإغريقي، لكنه لا يواجه قدر الآلهة، بل يواجه غياب “العدل الإنساني البسيط”. هذا العدل الذي يصفه بـ “خط الشروع المتساوي” هو المادة الخام التي افتقدها العراقي، فاستحال اندفاعه الحضاري إلى “عطالة” قسرية، لا بسبب عطب في الجينات الأخلاقية أو جنوح فطري نحو البداوة، بل كاستجابة طبيعية لظلم بنيوي عابر للعصور.
ينتصب هذا الطرح كمواجهة حادة مع “الاستشراق الداخلي”؛ تلك الرؤية التي تبنتها النخب المحلية والمستشرقون على حد سواء، حين حصروا العراقي في ثنائيات “التناشز” و”العنف”. هنا، يقلب الخفاجي الطاولة بمبضع “إدوارد سعيد”، ليرى أن هذا العنف ليس “طبيعة” بل هو “درع”، وأن الحزن العراقي ليس ضعفاً بل هو “لغة مقاومة” ضد أوليغارشيات السلطة والدين والعشيرة التي منعت ولادة “الجماعة الوطنية”. إننا أمام نص “بولي فوني” (متعدد الأصوات) بتعبير باختين؛ حيث يتوارى صوت الأكاديمي خلف صوت “الأم” التي تمثل الوعي الفطري والعدل العملي، لتصبح “الحكمة الأمومية” هي المرجعية التي تفضح زيف “المثقف الوجاهي” المنشغل بامتيازاته عن مشروع وطنه.
إن العراقي في هذه القراءة يعيش حالة “الزمن العالق”؛ فهو “مقرود” بالمعنى السوسيو-ثقافي، كائن يمتلك وعياً كونياً وحزناً نبيلاً، لكنه مكبل بأنظمة حكم صادرت منه “الأمن والغذاء والتعليم”. هذا “التعطيل” حوّل الشخصية إلى شظايا تتوزع بين تمرد داخلي أو هجرة قسرية، لكنها تظل متماسكة في جوهرها، ترفض “الطلاق الطائفي” وتحتمي بذاكرة الوجع المشترك. إن ما يقدمه الخفاجي ليس مجرد مقابلة، بل هو بيان لنقد “العطالة الحضارية”، يخلص إلى أن ترميم الشخصية العراقية لا يبدأ من الوعظ الأخلاقي، بل من استعادة “مركز العدل” الغائب، الذي بدونه يظل العراق رواية كبرى معلقة بين حنين أسطوري لماضٍ بعيد، وعجز مفروض عن صياغة مستقبل يليق بأحلامه.