تصدّع اللاهوت الأطلسي—حين يفقد النص سلطته أمام براغماتية القوة

تصدّع اللاهوت الأطلسي—حين يفقد النص سلطته أمام براغماتية القوة

بقلم الدكتور حسام البدري

تمهيد

لم يعد حلف شمال الأطلسي، في تمظهره الراهن، ذلك الكيان العقائدي الصلب الذي يُستدعى فيه النصّ المؤسس بوصفه يقيناً لا يقبل التأويل، بل غدا فضاءً تأويلياً هشّاً تتنازعه إرادات السيادة ومخاوف الانزلاق. فالتقاعس الأوروبي عن الاصطفاف خلف الولايات المتحدة في مواجهة إيران لا يُقرأ بوصفه حادثة عرضية، بل كعلامة فارقة على انكسار “اللاهوت الأمني” الذي حكم الحلف منذ الحرب الباردة. لقد صرّح مسؤولون أطلسيون مراراً بأن “أي اعتداء على عضو سيُقابل برد جماعي حاسم” ، غير أن الواقع يكشف أن تعريف “الاعتداء” ذاته أصبح رهينة الحسابات السياسية لا النصوص المعيارية.
إن أوروبا، التي طالما احتمت بالمظلة الأمريكية، تقف اليوم في مفارقة وجودية: فهي من جهة تعتمد أمنياً على واشنطن، ومن جهة أخرى تتحفظ على الانخراط في حروب لا ترى فيها مصلحة مباشرة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: قارةٌ محميةٌ بقوةٍ خارجية، لكنها مترددة في تأييدها حين تستخدم تلك القوة أدواتها الصلبة.
والسؤال التمهيد هنا :
هل ما نشهده اليوم هو تباينُ مواقفٍ أم أفولُ معنى—حيث ينحلّ “الخطر المشترك” من يقينٍ مؤسِّس إلى تأويلٍ تفاوضي؟

اختلال التماثل الاستراتيجي وأرقام الهيمنة…

إن الحديث عن “استقلال أوروبي” يصطدم مباشرة بحقائق مادية صلبة، تتجلى في البنية العسكرية المنتشرة عبر القارة. فبحسب مجلس العلاقات الخارجية، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في أوروبا قرابة 84 ألف جندي عام 2025 ، مع قابلية الارتفاع إلى حدود 100 ألف في أوقات التوتر . وهذه الكتلة العسكرية ليست رمزية، بل تشكل العمود الفقري للردع في القارة.
في ألمانيا وحدها يتمركز نحو 39 ألف جندي أمريكي ، حيث تقع قواعد محورية مثل شتوتغارت (مقر القيادة الأوروبية EUCOM) ورامشتاين، التي تُعد عقدة لوجستية وجيو-عملياتية. أما بريطانيا فتحتضن قواعد جوية واستخباراتية متقدمة، فيما تنتشر القوات الأمريكية في إيطاليا وبولندا ورومانيا ضمن ما يمكن وصفه بـ”القوس الردعي الشرقي”. ويُقدّر عدد القواعد الأمريكية في أوروبا بأكثر من 40 قاعدة عسكرية ممتدة جغرافياً من غرينلاند إلى تركيا .
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس بنية تبعية استراتيجية عميقة؛ إذ بدون هذه القوات، ينخفض الثقل العسكري الفعلي للناتو بشكل ملحوظ، حيث تشير التقديرات إلى أن القدرات العسكرية للحلف تتراجع بشكل كبير دون الولايات المتحدة .
ومن هنا، فإن امتناع أوروبا عن دعم واشنطن في صراع معين لا يعني استقلالاً بقدر ما يعكس “اختلال تماثل” (Asymmetry) في العلاقة: أوروبا تعتمد على القوة الأمريكية وجودياً، لكنها لا تملك الإرادة السياسية لمرافقتها دائماً. وقد عبّر مسؤول أمريكي عن هذا التوتر بقوله إن الحلفاء “عليهم تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم” ، في إشارة إلى ضيق واشنطن من هذا التوازن المختل.
أما عدم تأمين مضيق هرمز، فيُقرأ ضمن هذا السياق: أوروبا، رغم اعتمادها على الطاقة، فضّلت تجنب الاحتكاك العسكري، تاركة العبء للولايات المتحدة، وهو ما يعمّق صورة “المستهلك الأمني” لا “المنتج الأمني”.
والسؤال الجيو امني هنا :
كيف تُقيمُ أوروبا سيادةً انتقائية فوق أمنٍ مُستعار، من غير أن تنقلب الازدواجيةُ إلى نقضٍ لذاتها؟

كيف ستعيد واشنطن صياغة المعادلة؟…

إن أخطر ما في هذا التقاعس الاوروبي ليس الحدث ذاته، بل تداعياته على العقل الاستراتيجي الأمريكي. فالولايات المتحدة، التي تخوض عملياً حرب استنزاف بالوكالة ضد روسيا عبر دعم أوكرانيا، ترى في الناتو أداة لتوزيع الأعباء، لا مجرد مظلة حماية مجانية. وقد صرّح مسؤولون أمريكيون مراراً بأن أوروبا يجب أن “تدفع أكثر مقابل أمنها” .
في هذا الإطار، يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة لرد الفعل الأمريكي:

1. إعادة التموضع (Strategic Retrenchment):
كما تشير تقارير حديثة، بدأت واشنطن فعلياً تقليص بعض وجودها الرمزي داخل هياكل الناتو ، في خطوة تحمل دلالة سياسية أكثر من كونها عسكرية. هذا المسار قد يتوسع ليشمل نقل جزء من الثقل العسكري نحو آسيا، حيث التحدي الصيني.

2. الابتزاز الجيو-أمني (Security Transactionalism):
قد تتحول الحماية الأمريكية إلى “خدمة مدفوعة”، بحيث تُربط بشكل مباشر بمستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي. وقد ألمح مسؤولون أمريكيون إلى أن الحلف “ليس قوياً بدون الولايات المتحدة” ، في خطاب يكاد يلامس الابتزاز الاستراتيجي.

3. الرد الانتقائي في حال التعرض لهجوم:
في حال تعرضت الولايات المتحدة لاعتداء مباشر، خاصة في سياق صراع مع إيران أو تصعيد مع روسيا، فإن الرد لن يكون بالضرورة جماعياً وفق الصيغة الكلاسيكية للمادة الخامسة، بل قد تتجه واشنطن إلى تشكيل “تحالفات رغبة” (Coalitions of the Willing)، متجاوزة الإطار الأطلسي التقليدي. وهنا يصبح الناتو إطاراً شكلياً أكثر منه أداة عملياتية.

الأخطر من ذلك أن تآكل الثقة قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف أولوياتها، بحيث تصبح أوروبا “مسرحاً ثانوياً” مقارنة بالمحيطين الهندي والهادئ. وفي هذه الحالة، ستجد أوروبا نفسها أمام فراغ استراتيجي لم تستعد له بعد.
والسؤال الاستشرافي هنا:هل يتبدّل الحلف من عهدِ مصيرٍ إلى عقدِ كلفة—ومن رابطةِ قيمٍ إلى تسعيرٍ للأمن؟

الخاتمة

ما يتكشف اليوم ليس سوء تفاهم بين ضفتي الأطلسي، بل تصدع في الفكرة التي بُني عليها الحلف منذ الأصل: فكرة أن الخطر يُعرَّف جماعياً، وأن الكلفة تُحتمل جماعياً، وأن الشرعية تُنتَج جماعياً. أوروبا تريد مظلة أميركية ضد روسيا، لكنها لا تريد دائماً أن تتورط في خرائط النار التي ترسمها واشنطن في الشرق الأوسط. والولايات المتحدة تريد حلفاء حقيقيين لا جمهوراً محمياً. وبين الإرادتين يتسع الصدع: أوروبا غنية، لكنها لم تستكمل شروط السيادة الصلبة؛ وأميركا قوية، لكنها لم تعد مستعدة لتقديم القوة بوصفها خدمة مجانية خالية من المحاسبة. لذلك فإن التقاعس الأوروبي، إن استمر وتحوّل إلى نمط، لن تكون كلفته فقط في اهتزاز صورة الناتو، بل في إعادة تعريف أميركا نفسها لوظيفة الحلف، وربما لموقع أوروبا في سلّم الأولويات الأميركية كله. عند تلك النقطة، لن يعود السؤال: لماذا لم يساند الأوروبيون واشنطن في هذه الأزمة أو تلك، بل سيغدو السؤال الأفدح، والأشد إقلاقاً لمستقبل القارة: إذا انكسر الضمانُ وتآكلت الثقة، فهل تقدر أوروبا أن تُعيد اختراع سيادتها، أم تكتشف أن أمنها كان وديعةً لا تُسترد؟