500 يوم من الفشل السياسي… إلى أين يقود الحزبان إقليم كردستان؟
بقلم: يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ ألمانيا
المقدمة.
لقد مضى أكثر من خمسمائة يوم على الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان، وما زالت الحكومة الجديدة حبيسة الخلافات والتجاذبات والمساومات الحزبية. أكثر من خمسمائة يوم من الانتظار والوعود والاجتماعات والبيانات، بينما المواطن يراقب المشهد ذاته يتكرر وكأن الزمن متوقف وكأن مستقبل الملايين أقل أهمية من صراع على منصب أو حقيبة أو نفوذ.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الخلافات المتكررة بين الحزبين الرئيسيين تدور غالباً حول تقاسم السلطات والصلاحيات والمواقع السيادية وإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والعلاقة مع بغداد وآليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الإقليم. وبين هذه الحسابات المتشابكة تضيع مصالح المواطنين وتتراجع هيبة المؤسسات وتتآكل الثقة الشعبية يوماً بعد يوم.
إن استمرار هذا الوضع لا يضر بالحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني فقط، بل يضر بمكانة كردستان كلها. فالإقليم الذي كان يوماً يُقدَّم كنموذج للاستقرار النسبي في المنطقة بات يواجه تساؤلات متزايدة حول قدرته على تجاوز أزماته الداخلية وإدارة مستقبله السياسي.
الان حان الوقت للاعتراف بأن الأساليب التقليدية ذاتها لم تعد قادرة على إنتاج حلول جديدة. وحان الوقت أيضاً للتفكير خارج الصندوق السياسي الذي حاصر الإقليم لعقود طويلة. فقبل أشهر طرحتُ رؤية قد يراها البعض جريئة أو غير مألوفة، تقوم على منح المكونات الأصيلة في كردستان دوراً أكبر في قيادة المرحلة المقبلة، عبر إسناد مواقع سيادية إلى شخصيات كفوءة من الإيزيديين والمسيحيين والتركمان، ليس بوصف ذلك منّة أو تنازلاً، بل باعتباره رسالة حضارية تؤكد أن كردستان تتسع لجميع أبنائها وأن المواطنة والكفاءة أهم من الانتماء الحزبي.
ما هي الحلول؟
إن النقد وحده لا يكفي، والغضب وحده لا يبني الأوطان. ولذلك فإن الخروج من حالة الجمود الحالية يتطلب قرارات جريئة وشجاعة تضع مصلحة كردستان فوق كل اعتبار.
أولاً: يجب تشكيل الحكومة الجديدة فوراً ضمن سقف زمني واضح ومعلن أمام الشعب، لأن استمرار الفراغ السياسي يضعف المؤسسات ويعطل التنمية ويزيد من فقدان ثقة المواطنين.
ثانياً: ينبغي الانتقال من مفهوم تقاسم السلطة إلى مفهوم الشراكة في المسؤولية. فالحكومة ليست غنيمة انتخابية ولا ساحة لتوزيع النفوذ، بل مؤسسة لخدمة المواطنين ومعالجة مشكلاتهم.
ثالثاً: منح المكونات الأصيلة من الإيزيديين والمسيحيين والتركمان دوراً أكبر في القرار السياسي والإداري، ليس من باب المجاملة، بل لأنهم جزء أصيل من تاريخ كردستان ومستقبلها، ولأن إشراكهم يعزز صورة الإقليم الديمقراطية أمام العالم.
رابعاً: توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت مظلة وطنية واحدة بعيداً عن الحسابات الحزبية، لأن قوة الإقليم تبدأ من قوة مؤسساته لا من تعدد مراكز القرار داخله.
خامساً: إطلاق حملة حقيقية وشاملة لمكافحة الفساد المالي والإداري، فالشعوب قد تصبر على الأزمات لكنها لا تصبر طويلاً على الظلم وسوء الإدارة واستغلال النفوذ.
سادساً: الاستثمار في الشباب والكفاءات العلمية، وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات القادرة على مواكبة متطلبات العصر، لأن مستقبل كردستان لا يمكن أن يبنى بعقلية الماضي وحدها.
سابعاً: تطوير العلاقات مع بغداد على أساس الشراكة الدستورية والمصالح المشتركة، بعيداً عن التوترات الدائمة والخطابات الانفعالية التي لم تحقق مكاسب حقيقية لأي طرف.
ثامناً: وضع استراتيجية اقتصادية جديدة تقلل الاعتماد على النفط، وتدعم الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار، لأن الاقتصاد القوي هو أساس الاستقرار السياسي.
تاسعاً: تعزيز استقلال القضاء وترسيخ مبدأ سيادة القانون بحيث يشعر المواطن أن حقوقه مصانة وأن العدالة تطبق على الجميع دون استثناء.
عاشراً: إطلاق مشروع وطني شامل للمصالحة السياسية والاجتماعية ينهي حالة الاستقطاب والانقسام التي أرهقت المجتمع الكردستاني لعقود طويلة.
الخلاصة:
كردستان أكبر من أي حزب، وأبقى من أي زعيم، وأغلى من أي منصب، ومن يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار سيصنع المستقبل الذي يستحقه هذا الشعب. لقد تعب الناس من الانتظار، وتعبت كردستان من التأجيل، وتعبت الفرص من الضياع. العالم اليوم يتغير بسرعة دول كثيرة وصلت إلى أعلى مستويات التقدم لأنها كسرت احتكار السلطة وفتحت أبوابها للكفاءات بغض النظر عن القومية أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. إن الإقليم قادر على أن يكون لاعباً مؤثراً في العراق والمنطقة والمحافل الدولية، لكنه لن يصل إلى هناك إلا عندما يدرك الجميع أن الكرسي وسيلة لخدمة الوطن وليس الوطن وسيلة للوصول إلى الكرسي.
#شعب_كردستان
#الفساد_السياسي
#حكومة_كردستان
#أربيل
#السليمانية
#كركوك
#العراق
#سياسة
#رأي