اسطوانة التخوين المشروخة وهذيان الشوفينية

لقمان البرزنجي

کاتب و صحفي . المانيا 

أن السياسة الدولية تحكمها المصالح لا المبادئ. فالمواقف التي اتخذتها القوى الكبرى (مثل واشنطن) خلال أزمات الرواتب والموازنة  الاقليم  أثبتت أن الحقوق المشروعة للشعب الكردي لم تكن يوما أولوية لديهم بقدر ما كانت ورقة ضغط سياسية. والظاهر حقا ان نرى التاريخ يعيد نفسه في ثوب مهتري.  وان نجد العقول التي تدعي القومية والغيرة على العراق  لا تزال حبيسة اوهام عفا عليها الزمن. ان محاولة شيطنة الكرد ورميهم بتهم الانفصال والعمالة ليست سوى هروب إلى الأمام من واقع مرير تعيشه المنطقة. وتغطية بائسة على فشل في بناء دولة المواطنة التي تستوعب الجميع دون تمييز او إقصاء. ان المتابع للمشهد السياسي  و التحرکات العسکرية و حرب الصواريخ في منطقتنا الملتهبة . يدرك تمام الاإدراك ان لغة التحريض والتخوين التي تستهدف الشعب الكردي لم تعد تنطلي إلا على من أعمى التعصب بصيرتهم. وأغلق الجهل منافذ عقولهم. ففي الوقت الذي تغلي فيه المنطقة وتتصارع فيه القوى الإقليمية والدولية على أرض العراق، نجد البعض يخرج علينا بذات الأسطوانة المشروخة التي تتهم الكرد بالانفصال والارتماء في أحضان الخارج.  متناسين أن الكرد كانوا ولا يزالوا صمام أمان لهذا البلد و في خط الدفاع الأول في وجه اعتى الهجمات الإرهابية التي هددت كيان الدولة العراقية  بكاملها.أما الحديث عن الدعم الأمريكي المطلق للكرد فهو كذبة كبرى روج لها الإعلام المغرض وصدقها الواهمون. فاين كانت امريكا طوال اثني عشر عاما والحكومة الاتحادية تتنصل من دفع رواتب موظفي الإقليم وحقوق مواطنيه؟ اين كانت واشنطن والشعب الكردي يعاني من حصار اقتصادي وتضييق متعمد في لقمة عيشه؟ ان أمريكا لم تحرك ساكنا ولم تنطق بكلمة حق تنصف هؤلاء المظلومين. بل كانت دوما تبحث عن مصالحها الخاصة التي لا تتقاطع بالضرورة مع حقوق الكرد المشروعة.  من المضحك المبكي أن ايضا تتعالى أصوات التخوين ضد الكرد بدعوى علاقات مزعومة مع إسرائيل. في حين أن الأعلام الإسرائيلية ترفرف رسميا وبشكل علني فوق عواصم عربية وإسلامية عديدة. بل وهناك اتفاقيات امنية واقتصادية تبرم تحت ضوء الشمس. فأين غيرة هؤلاء الشوفينيين العرب  من تلك المشاهد؟ ولماذا يغمضون أعينهم عن الواقع ويصوبون سهامهم المسمومة نحو شعب لم يجن من إسرائيل إلا الضرر والويلات؟ إنها الازدواجية المقيتة التي تبحث عن كبش فداء لتبرير عجزها وتخبطها.لقد اثبتت الايام ان الكرد حماة الديار لا اعداها . والوقائع ان الكرد هم من ضحوا بدمائهم الزكية للدفاع عن وحدة العراق وكرامة العراقيين حينما انهارت المؤسسات وفر الجميع من الميدان.ان الكرد هم الذين كانوا وما زالوا صمام الامان الحقيقي لهذا الوطن وهم الذين دافعوا بصدورهم العارية ودمائهم الزكية عن العراق والعراقيين جميعا حينما توارت الوجوه وانهارت الحصون امام زحف الظلام، فحين اطبقت المحن على اهلنا في الموصل والمحافظات الغربية وضاقت بهم الارض بما رحبت هربا من بطش الارهاب الاسود، لم يجدوا ملاذا آمنا ولا صدورا حانية سوى احضان الكرد الذين شرعوا ابواب بيوتهم ومدنهم قبل قلوبهم ليستقبلوا اخوتهم بفيض من النبل والشهامة في لحظة تاريخية جسدت اسمى معاني التاخي الانساني والوطني بعيدا عن زيف الشعارات. فكيف يتجرا هؤلاء المشككون على التطاول على شعب هو في الاصل حامي الديار وضامن بقائها؟ ان الواجب الاخلاقي والوطني يفرض على هؤلاء الشوفينيين ان يستحوا من انفسهم ويكفوا عن اطلاق تلك التهم الجاهزة التي لا تخدم سوى اعداء الاستقرار، فالكرد جزء لا يتجزا من تاريخ وحاضر هذه الارض وتضحياتهم اكبر من ان يطمسها حبر المأجورين او صراخ الموهومين الذين يقتاتون على التفرقة والاقصاء.إن البطولات التي سطرها البيشمركة في جبال وسهول الوطن لم تكن دفاعا عن قومية بعينها، بل كانت دفاعا عن الإنسانية في وجه الظلام. لذا. حري باصحاب الفكر الشوفيني أن يستحوا من أنفسهم، وأن يكفوا عن التطاول على شعب عظيم لم يطلب يوما سوى العيش بسلام وكرامة على أرضه التاريخية.