منظمة عراقيون ضد الفساد
في خطوة سياسية مثيرة للجدل، أعادت عملية انتخاب نزار آميدي رئيساً جديداً للجمهورية العراقية، يوم السبت 11 نيسان 2026، فتح ملف اغتيال العقيد سروت حاجي رشيد (المعروف أيضاً باسم سرور حاجي رشيد) بقوة غير مسبوقة، وبعد أن كان مغلقاً أو مهملاً لأكثر من 12 عاماً. العقيد حاجي رشيد، الذي اغتيل في 20 تشرين الثاني 2013 داخل منزله في مدينة السليمانية ـــ بواسطة قوات خاصة “الكوماندوز” التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وبكواتم الصوت تابعة تحديدا إلى الوحدة 70، وتتلقى أوامرها مباشرة من رئاسة الحزب (بافل طالباني) ـــ كان يُعتبر الصندوق الأسود وكاتم أسرار الرئيس الراحل جلال طالباني. كان مسؤولاً عن الحماية الشخصية لـ”مام جلال”، وكان المبعوث السري للرسائل الشخصية والمهمات الحساسة في أدق اللحظات السياسية. اغتياله لم يكن مجرد جريمة جنائية عادية؛ بل كان ضربة موجعة لأعمق أسرار حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في ذلك الوقت. وحسب التسريبات الإعلامية من الجهات المنافسة في حينها ، وردت أسماء عديدة كمشتبه بهم في التخطيط والمشاركة في العملية، ومن بينها – حسب ما تداولته مصادر مطلعة على الملف آنذاك – اسم نزار آميدي نفسه، الذي كان يشغل مناصب متقدمة داخل الاتحاد الوطني وكان مقرباً جداً من دوائر القرار في السليمانية. واليوم، وبعد أن نال آميدي ثقة 227 نائباً في الجولة الثانية ليصبح سادس رئيس للعراق بعد 2003، يعود هذا الملف ليطارد المشهد السياسي بكل ثقله. ويأتي الانتخاب رغم معارضة شديدة ومقاطعة صريحة من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، الذي رفض التصويت واعتبر العملية غير توافقية.الكفة رجحت لصالح آميدي بفضل الإرادة الإيرانية الواضحة، مدعومة بأحزاب الإسلام الشيعي في بغداد، مما أعطى الغلبة لـ”السليمانية” (معقل الاتحاد الوطني) على حساب “أربيل” (معقل الديمقراطي الكردستاني). هذا التوازن الجديد يعكس بوضوح كيف أصبحت الرئاسة العراقية، التي كانت تُفترض أنها منصب كردي توافقي، أداة في لعبة النفوذ الإقليمي.مصادر سياسية كردية متابعة للملف أكدت أن انتخاب آميدي “أعاد إحياء الشكوك والتساؤلات” حول اغتيال سروت حاجي رشيد، خاصة أن التحقيقات السابقة لم تصل إلى نتيجة علنية حاسمة، ولم يُعلن عن محاكمة أي شخص بارز. الآن، ومع صعود آميدي إلى أعلى منصب دستوري في الدولة، يتساءل الجميع هل سيفتح الملف من جديد تحت ضغط الرأي العام الكردي؟ أم أن “الصندوق الأسود” سيبقى مغلقاً إلى الأبد تحت غطاء التوافقات السياسية والنفوذ الخارجي؟هذا الانتخاب، الذي جاء بعد شهور من الانسداد السياسي، لم ينهِ الخلافات الكردية-الكردية فحسب، بل أعاد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة عن الدماء التي سالت داخل البيت الكردي نفسه، وعن كيفية تحول السلطة في العراق إلى غنيمة تُقسم حسب خريطة النفوذ الإقليمي، وليس حسب إرادة الشعب أو العدالة.الأيام المقبلة قد تشهد تصعيداً في التصريحات والتسريبات حول ملف 2013، خاصة في أوساط أربيل والمعارضين لـ”السليمانية”، وفي سقطة إعلامية وأمنية كارثية لا تُغتفر، كشفت تفاصيل جديدة من ملف اغتيال العقيد سروت حاجي رشيد (سرور حاجي رشيد) عن حجم الارتباك والتخبط الذي وقع فيه منفذو العملية ومسؤولوهم، بعد أن حاولوا تغطية الجريمة السياسية بقصة سرقة بائسة انهارت أمام شهادة زوجة الضحية نفسها.كان الإعلام التابع للجهات المعنية قد روّج فور الاغتيال في 20 تشرين الثاني 2013 بأن العملية مجرد سرقة عادية لأموال وحلي ذهبية نفذها لصوص مجهولون اقتحموا منزل العقيد في منطقة إبراهيم أحمد بمدينة السليمانية. الهدف واضح: تحويل جريمة اغتيال مدبرة ضد “الصندوق الأسود” وكاتم أسرار الرئيس جلال طالباني إلى حادث جنائي بسيط، بعيداً عن أي أبعاد سياسية أو حزبية.لكن الرواية انهارت بسرعة مدوية. زوجة العقيد سروت حاجي رشيد روت في التحقيقات أنها عرضت على المهاجمين جميع الموجودات الثمينة في المنزل – من نقود وحلي ذهبية وممتلكات قيمة – مقابل النجاة بحياة زوجها. رفض المهاجمون العرض فوراً، وبادروا مباشرة إلى إطلاق الرصاص على رأس العقيد وقتله بدم بارد، دون أن يأخذوا شيئاً يُذكر.هذه الشهادة شكلت نكسة إعلامية وسياسية قاسية لم يستطع الإعلام الحزبي تلافيها. محاولات التصحيح المتكررة التي أعقبت ذلك – عبر بيانات رسمية وتصريحات متضاربة – زادت الطين بلة، وأثارت المزيد من الشكوك العميقة حول الرواية الرسمية. حتى مديرية شرطة محافظة السليمانية شاركت في محاولات “التوضيح”، لكن التغييرات المتكررة في الأقوال والروايات، وتضارب الشهود، عمّقت الشبهات بدلاً من تبديدها.هذه السقطة البدائية – رفض سرقة المال والذهب مقابل القتل المباشر – كشفت بوضوح أن الهدف لم يكن النهب، بل التصفية الجسدية لشخص يحمل أسراراً ثقيلة عن دوائر القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني في تلك الفترة. العقيد سروت كان ليس مجرد مسؤول حماية، بل المبعوث السري والوسيط الشخصي للرسائل الحساسة لـ”مام جلال”. اليوم، وبعد انتخاب نزار آميدي – الذي ورد اسمه في سياق التحقيقات الأولية كأحد المشتبه بهم – رئيساً للجمهورية، تعود هذه السقطة الإعلامية لتطارد المشهد بقوة أكبر. انتخابه جاء رغم معارضة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومقاطعته، مدعوماً بالإرادة الإيرانية وأحزاب الإسلام الشيعي، مما رجح كفة السليمانية على حساب أربيل.هل كانت رواية “السرقة” محاولة فاشلة للتغطية على جريمة سياسية داخلية؟ ولماذا رفض المهاجمون العرض الذهبي وأصروا على القتل الفوري؟ وكيف يمكن لمن يحمل مثل هذه الشبهات أن يصل إلى أعلى منصب دستوري في الدولة؟الأسئلة تتكاثر، والشكوك تتعمق، خاصة مع تغير أقوال الشهود وتدخل الجهات الأمنية الحزبية في حينها. ملف 2013 الذي ظل مغلقاً أو مهملاً لأكثر من 12 عاماً، أصبح اليوم يُفتح من جديد في الشارع الكردي والرأي العام، فيما يبدأ الرئيس الجديد عهده وسط ظلال ماضٍ دموي لم يُحسم بعد.هذه ليست مجرد تفاصيل فنية في تحقيق قديم… بل دليل صارخ على كيف تُدار الجرائم السياسية في العراق: بتغطية إعلامية بائسة تنهار أمام شهادة زوجة، ثم بتوافقات سياسية تجعل الضحية يُنسى والمشتبه بهم يصعدون إلى القصور. هل سيفتح الملف رسمياً الآن؟ أم أن “الصندوق الأسود” سيُغلق إلى الأبد تحت ستار التوافقات الجديدة في بغداد؟ الإجابة قد تحدد ما إذا كانت الديمقراطية الكردية والعراقية مجرد شعار، أم أن الدم لا يزال يُغسل بالتوافقات الإقليمية. وفيما يبدو أن نزار آميدي سيبدأ عهده الرئاسي وفي جعبته ليس فقط بروتوكولات القصر، بل أيضاً ظلال ماضٍ ثقيل لم يُغلق بعد. هل سيكون الرئيس الجديد قادراً على طي الصفحة، أم أن دم سروت حاجي رشيد سيظل يطارد قصر السلام؟ الإجابة قد تأتي قريباً… أو تبقى مدفونة تحت طبقات التوافقات السياسية المعتادة في بغداد.