جديد

سيرة الامام الصادق عليه السلام (ليجزي الله الصادقين بصدقهم)

د. فاضل حسن شريف

الإمام الصادق عليه السلام، فإنّه عاش في ظرف كثر فيه العلماء، وانتشرت فيه العلوم، ممّا أدّى إلى اختلاط كبير بين الروايات والفتاوى الصادرة من بعض علماء المدارس والمذاهب الأُخرى، فاحتاجت الساحة العلمية إلى من يفرز الفكر الأصيل على مستوى الرواية عن غيرها، فتصدّى الإمام الصادق عليه السلام لهذا الدور بشكل مركّز، وباعتبار عظمة الثقة به، ولقدرة تمييزه الصحيح من غيره عرف بالصادق. إذاً لعلّ مثل هذه الظروف كان لها سهم كبير في ظهور هذه الصفة في هذا الإمام أكثر من ذلك، وإلاّ من حيث المبدأ كلّهم متساوون في هذه الصفات.

عن الامام الصادق عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحمدالله في كل يوم ثلاثمائة مرّة وستين مرّة، عدد عروق الجسد، يقول: الحمدلله ربِّ العالمين كثيراً على كل حال). قول الامام الصادق سلام الله عليه: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ورد عليه أمر يسرّه، قال: الحمد لله على هذه النعمة، وإذا ورد عليه أمرٌ يغتمّ به، قال: الحمدلله على كلّ حال). عن الامام الصادق سلام الله عليه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستفغر الله عزّوجلّ كل يوم سبعين مرّة، ويتوب إلى الله سبعين مرّة). قال الإمام الصادق عليه السلام: يكره القيام تعظيما إلا لرجل في الدين، وقال: لا تقبل يد أحد إلا يد رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم أومن أريد به رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” ﴿الأحزاب 24﴾ “ليجزي الله الصادقين بصدقهم” ﴿الأحزاب 24﴾ أي صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم “ويعذب المنافقين” بنقض العهد “إن شاء أو يتوب عليهم” إن تابوا ويكون معناه أنه سبحانه إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم وإن شاء لم يقبل توبتهم وعذبهم فإن إسقاط العذاب على المذهب الصحيح بالتوبة تفضل من الله تعالى لا يجب عقلا وإنما علمنا ذلك بالسمع والإجماع على أن الله سبحانه يفعل ذلك فالآية قاضية بما يقتضيه العقل من الحكم ويؤكد ذلك قوله “إن الله كان غفورا رحيما” ﴿الأحزاب 24﴾ لأن المدح إنما يحصل إذا رحم سبحانه من يستحق العقاب ويغفر ما جاز له المؤاخذة به ولا مدح في مغفرة ورحمة من يجب عليه غفرانه ورحمته وقيل معناه ويعذب المنافقين بعذاب عاجل في الدنيا إن شاء أ ويتوبوا عن الجبائي.

عن محاورة الامام الصادق مع أبو حنيفة يقول مؤلف الكتاب عبد الحليم الجندي: ويقول أبو حنيفة (استأذنت عليه فحجبني. وجاء قوم من أهل الكوفة استأذنوا لهم فدخلت معهم. فلما صرت عنده قلت: يا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟ – فإني تركت فيها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم. فقال: لا يقبلون منى. فقلت: ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول الله؟ فقال الصادق: أنت أول من لا يقبل منى. دخلت بغير إذني. وجلست بغير أمري. وتكلمت بغير رأيي. وقد بلغني أنك تقول بالقياس. فقلت: نعم أقول به. فقال: ويحك يا نعمان أول من قاس إبليس حين أمر بالسجود لآدم فأبى وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين. أيهما أكبر يا نعمان القتل أم الزنا؟ قلت القتل. قال: فلم جعل الله في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة؟ أيقاس لك هذا؟ قلت لا. قال: فأيهما أكبر البول أو المنى. قلت البول. قال: فلماذا أمر في البول بالوضوء وأمر في المنى بالغسل. أيقاس لك هذا؟ قلت: لا. قال أيهما أكبر الصلاة أم الصوم؟ قلت: الصلاة. قال: فلم وجب على الحائض أن تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ أيقاس ذلك؟ قلت لا. قال: فأيهما أضعف المرأة أم الرجل قلت المرأة. قال: فلم جعل الله للرجل سهمين في الميراث وللمرأة سهما؟ أيقاس ذلك؟ قلت: لا. قال: وقد بلغني أنك تقرأ أية من كتاب الله “ثم لتسألن يومئذ عن النعيم” (التكاثر 8): أنه الطعام الطيب والماء البارد في اليوم الصائف. قلت: نعم. قال: لو دعاك رجل وأطعمك وسقاك ماء باردا، ثم أمتن عليك. ما كنت تنسبه إليه ؟ قلت: البخل. قال: أفبخل علينا؟ قلت فما هو: قال حبنا أهل البيت. طعم أبو حنيفة يوما مع الإمام الصادق – فرفع الإمام يده حمد الله ثم قال: اللهم هذا منك ومن رسولك. قال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكا ؟ قال الإمام: إن الله يقول في كتابه “وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ومن فضله” (التوبة 74) فقال أبو حنيفة (لكأني ما قرأتها قط في كتاب ولا سمعتها إلا في هذا الموقف).

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” ﴿الأحزاب 24﴾ وتبيّن الآية التالية النتيجة النهائية لأعمال المؤمنين والمنافقين في جملة قصيرة، فتقول: “ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين إن شاء” ﴿الأحزاب 24﴾ فلا يبقى صدق وإخلاص ووفاء المؤمنين بدون ثواب، ولا ضعف وإعاقات المنافقين بدون عقاب. ومع ذلك، ولكي لا يغلق طريق العودة والإنابة بوجه هؤلاء المنافقين العنودين، فإنّ الله سبحانه قد فتح أبواب التوبة أمامهم بجملة: (أويتوب عليهم) إذا تابوا ووصف نفسه بالغفور والرحيم “إنّ الله كان غفوراً رحيماً” ﴿الأحزاب 24﴾ ليحيي فيهم الحركة نحو الإيمان والصدق والإخلاص والوفاء بالتزاماتهم أمام الله والعمل بمقتضاها. ولمّا كانت هذه الجملة قد ذكرت كنتيجة لأعمال المنافقين القبيحة، فإنّ بعض كبار المفسّرين رأى على أساسها بأنّ الذنب الكبير في القلوب التي لها قابلية الهداية ربّما كان دفعاً للحركة المضادّة والرجوع إلى الحقّ والحقيقة، وقد يكون الشرّ مفتاحاً للخير والرشاد.

وورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “حدّثنا الحسن بن عليّ عليه السلام أنّ الله عزَّ وجلَّ بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه، لا إله إلّا هو، ليميز الخبيث من الطيّب، وليبتلي ما في صدوركم، وليُمحِّص ما في قلوبكم، ولتتسابقوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنّته، ففرض عليكم الحجّ، والعمرة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والولاية، وجعل لكم باباً لتفتحوا به أبواب الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله، ولولا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأوصياء من ولده عليهم السلام كنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض، وهل تُدخل قرية إلا من بابها، فلمّا منّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا” (المائدة 3) ففرض عليكم لأوليائه حقوقاً وأمركم بأدائها إليهم، ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم، وأموالكم، ومآكلكم، ومشاربكم، ويُعرّفكم بذلك البركة، والنماء، والثروة، ليعلم من يطيعه منكم بالغيب، ثمّ قال عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى” (الشورى 23).

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك: دار خلقي). أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ديْن على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لليهودي كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام. عن الإمام الصادق عليه السلام: (من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفرف الدعاء على رأسه، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع الدعاء). وسائل الشيعة ج 7- ص 93. عن الإمام الصادق عليه السّلام: (علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس و عفاريته، و يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا و عن أن يتسلط عليهم إبليس).