رياض سعد
تكمن معضلة مشروع التجنيد الإلزامي في العراق، بصياغته المطروحة للنقاش العام، في كونه محاولةً لاستعادة هيبة الدولة المنهكة وترميم شرعيتها عبر أدواتٍ تجاوزها منطق العصر والزمن وأثبتت التجارب المتراكمة محدودية جدواها في سياقات الدول المأزومة.
إنه قرارٌ يتقاطع فيه القصور في الرؤية الاستراتيجية مع إهدار متعمد للموارد العامة، في لحظة تاريخية يكون فيها العراق أحوج ما يكون إلى استثمارات نوعية مركزة في قطاعات التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، وتطوير البنى التحتية التكنولوجية… ؛ فبدلاً من أن يُقرأ هذا التوجه بوصفه انعكاساً لعقيدة أمنية متطورة تدرك تعقيدات الحروب الحديثة ومتطلبات الأمن السيبراني، يبدو للوهلة الأولى وكأنه مناورة سياسية تهدف في جوهرها إلى احتواء المدّ الشبابي العاطل وإعادة قولبته في أطر الامتثال والضبط الاجتماعي، متجاهلاً عن وعي أو عن غير وعي، التحولات العميقة التي عصفت بوعي الجيل الجديد وأدوات اتصاله بالعالم .
في هذا الطرح، يُختزل المواطن الفاعل، الذي يفترض أن يكون شريكاً في بناء الاقتصاد التنافسي ومحركاً للابتكار، إلى مجرد “مجند” تُبتلع سنوات من عمره في دهاليز بنية بيروقراطية عسكرية متهالكة وسلطة مدنية تكافح لإثبات شرعيتها…!!
وبدلاً من أن توجه الموازنات الضخمة لتعزيز كفاءة القوات المسلحة المحترفة وتزويدها بالتقنيات المتقدمة والتدريب النوعي، أو لتمويل مشاريع البنية التحتية التعليمية والتقنية التي تصنع الفارق في ميزان القوى المعاصرة، يُستهلك هذا التجنيد موارده المالية والبشرية في تكرار نمطي لسيناريوهات عسكرية كلاسيكية أثبتت التجربة الميدانية فشلها الذريع في بناء قدرة وطنية رادعة أو في ضمان استدامة الاستقرار المجتمعي والنأي به عن حمى الفتن .
بهذا المعنى الدقيق، لا يمثل التجنيد الإلزامي في السياق العراقي الراهن استراتيجية سيادية تستهدف تعزيز الأمن القومي، بقدر ما يمثل استراتيجية لإدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة… ؛ فالزي العسكري هنا لا يُستخدم كوسام شرف وطني فحسب، بل كغطاء إداري يُراد منه تعطيل الفاعلية الاجتماعية لقطاعات واسعة من الشباب وإخراجهم من معادلة الضغط على الحكومات الفاشلة… ؛ وهذا المنحى، في حال المضي به، لن يفضي إلا إلى تعميق الشعور بالاغتراب والقطيعة بين الشباب ومؤسسات دولتهم التي يفترض أن ترعاهم وتؤمن لهم سبل العيش الكريم… ؛ إنه يؤسس لمستقبل قاتم تهدر فيه طاقات بشرية هائلة في أنظمة تدوير البطالة المقنعة، فلا تنتج في نهاية المطاف سوى مزيد من العطالة والتبعية والاستكانة، عوضاً عن التأسيس لمجتمع معرفي منتج يفرض وجوده وهيبة دولته من خلال التميز العلمي والريادة الاقتصادية، لا من خلال الحشود البشرية الغفيرة التي لا تملك في ميزان الحداثة والقوة الشاملة أي وزن استراتيجي مؤثر .
ولا يمكن فصل هذا القرار عن السياق السياسي الأوسع، حيث تعاني الدولة من تحديات مركبة تتعلق ببناء المؤسسات، واحتكار السلاح، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة. فبدلاً من أن يكون التجنيد مشروعاً وطنياً جامعاً يعزز الانتماء، قد يتحول — في ظل غياب الثقة والحوكمة الرشيدة — إلى أداة إضافية لإعادة إنتاج الانقسامات أو تكريس النفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها … .
إن التجارب التاريخية تُظهر أن التجنيد الإلزامي قد نجح في سياقات معينة، لكنه كان دائماً جزءاً من مشروع دولة متكامل، يقوم على العدالة الاجتماعية، والاقتصاد المنتج، والتعليم المتقدم. أما في غياب هذه الشروط، فإنه يتحول إلى عبء إضافي على الدولة والمجتمع، لا إلى رافعة حقيقية للقوة الوطنية … .
نعم , لقد تغير مفهوم القوة في عالم اليوم؛ فلم تعد الجيوش تُقاس بعدد أفرادها بقدر ما تُقاس بكفاءتها التقنية، وقدرتها على التكيف مع الحروب غير التقليدية، من الأمن السيبراني إلى الذكاء الاصطناعي… ؛ وفي هذا السياق، يبدو الإصرار على استدعاء نموذج التجنيد الإلزامي أقرب إلى استحضار ذاكرة الدولة المركزية الصلبة، لا إلى بناء دولة حديثة مرنة وقادرة على المنافسة. وهنا تتجلى المفارقة: فبدلاً من توجيه الموارد نحو تطوير جيش محترف عالي التدريب، أو نحو إصلاح منظومة التعليم والبنية التحتية الرقمية، يتم استنزاف الطاقات في نموذج بيروقراطي يعيد إنتاج ذاته دون مردود استراتيجي حقيقي .
إن الخطاب الذي يربط الرجولة واكتمال الوطنية بالتجنيد الإجباري هو خطاب متجاوز، ينتمي إلى أدبيات دول ما بعد الاستعمار التي عجزت عن بناء هوية وطنية حديثة قوامها الإنتاج والإبداع… ؛ فلا لحية الجندي ولا شارب المقاتل ولا بطاقة التجنيد هي ما يصنع الإنسان الحر أو المواطن الفاعل كما يُروج في بعض الخطابات الشعبوية؛ بل العلم والمعرفة والتنمية البشرية والاقتصاد المزدهر هي الطرق الوحيدة الممهدة لبناء دولة قوية راسخة بمؤسساتها الرصينة وأفرادها المبدعين.
أي مقاربة خارج هذا السياق المعرفي، لا تعدو كونها عملية ترقيع أمني لشرخ مجتمعي عميق، مرشحة لاستنزاف ما تبقى من موارد العراق ورصيد ثقة شبابه بمستقبلهم الوطني .
في المحصلة النهائية ، لا يبدو مشروع التجنيد الإلزامي في العراق اليوم تعبيراً عن استراتيجية سيادية متكاملة، بقدر ما يعكس محاولة لإدارة أزمة مركبة بأدوات تقليدية… ؛ فالقوة الحقيقية للدول لا تُبنى بتكديس الأفراد في الثكنات، بل ببناء الإنسان القادر على الإبداع والإنتاج والمنافسة… ؛ إن الدولة التي تسعى إلى المستقبل لا تقيس عظمتها بعدد المجندين، بل بقدرتها على تحويل طاقاتها البشرية إلى قوة معرفية واقتصادية مستدامة .